تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالقرآن إنما ينظر من الموجودات إلى وجوهها الناظرة إلى فاطرها، وأما الفلسفة فإنما تنظر من الموجودات إلى وجوهها الناظرة إلى أنفسها وأسبابها، وغايتها الناظرة إلى مصالح جزئية فلسفية أو صنعوية .فما أجهل من اغتر بالفنون الفلسفية وصيرها محكا لمباحث القرآن القدسية .." .(1)

لقد استخدم النورسي مفهومي الإسمية والحرفية، ليشخص من خلالهما الفارق الأساسي بين المنظورين القرآني والفلسفي .. موازيا بين الإفادة التي يستحصلها العقل من وراء تعاطيه الفلسفة والعلم القرآني وبين الدلالة التي يحيل إليها كل من الحرف والاسم ..وإذا كان الاسم - في تحديد النحاة- هو ما دل على معنى في ذاته، فإن دلالة الحرف - عندهم - إحالية متعلقه بغيره.

فكذلك شأن المنظورين القرآني والفلسفي .. إذ أن رؤية القرآن إحالية، تصل الوقائع ببارئها، فهي - بذلك - بمثابة الرؤية الحرفية التي تستبين دلالتها من خلال صلتها بمتعلقها الاسمي .. إذ الظواهر فيها تأخذ صبغة العلامة والدليل المشير إلى حقيقة معنوية أشمل، هي الله .. بينما الرؤية الفلسفية رؤية عينية، ذاتية، مصمتة، لا يتعدى فيها الدال مدلوله الحسي الشاخص.. فهي بمثابة الاسم يحمل فحواه في بنيته وحسْب..

من هنا كان النظر القرآني للأشياء نظرا إيمانيا، يلحم بين الظواهر وبين الله خالقها ومدبرها .. فيما كان النظر الفلسفي نظرا شيئيا، حسيا، لا يرسو بمصادراته العقلية القاصرة إلا على منطق تشييئي، جحودي، من أبرز محدداته الاصطلاحية : المجهول، واللانهائي، والمطلق.. وما إلى ذلك من التعيينات التي تعكس ضيعة الإنسان وعجزه..

(1) المثنوي العربي النوري ص 77.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٦١