تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك هو بالضبط ما تتغاضى عن الإقرار به الفلسفة الحسية المصمتة ..ولو أن الفلاسفة " أدرجوا في مسائلهم قبسا من القرآن فقالوا : يفعل الله بهذه الأجرام المدهشة الجامدة وظائف في غاية الانتظام والحكمة، وهي في غاية الإطاعة لأمره، لكان لعلمهم معنى، وإلا بأن أسندوا إلى أنفسها وإلى الأسباب، صاروا كما قال القرآن ( ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) (الحج:31) وقس على هذه المسألة سائر المسائل.".(1)

ويمضي النورسي في إبراز علة هذه المفارقة القائمة بين النظرة القرآنية والنظرة الفلسفية للأشياء والوقائع.. فيرى أن القرآن يتناول الظواهر ويستدعيها في مقاماته الخطابية لا على أنها مواضيع غائية، يريد أن يستفرغ حديثه عنها كوقائع قائمة بذاتها، ولكنه يتناولها من حيث هي دلالات وإحالات تشحذ العقل وتجلي له سُلَّمِيَةَ العلل والأسباب التي تنتهي إليها حقيقة كل شيء في هذا الوجود..

إذ ما من ظاهرة إلا ووراءها خيط يوصلها بالخالق الباري .. وهو ما تخطئه الفلسفة التي تعالج القضايا والظواهر في ذاتها ولذاتها.. منفصلة عن القدرة الإلهية أصل هذا الكون..

" فإن قلت لأي شيء لا يبحث القرآن عن الكائنات كما يبحث عنها فن الحكمة والفلسفة؟. قيل لك لأن الفلسفة عدلت عن طريق الحقيقة، فاستخدمت الموجودات لأنفسها بالمعنى الاسمي، وأما القرآن فبالحق أنزل وبالحق نزل وإلى الحقيقة يذهب فيستخدم الموجودات بالمعنى الحرفي لا لأنفسها بل لخالقها.." (2)

ذلك لأن " الفلسفة المادية تقوم الأشياء والموجودات بذاتها ولذتاتها، فهي من ثمة تصدر عن رؤية تقطع الأواصر بين الموجد ( الله) والموجود.. على عكس الرؤية القرآنية التي تقرر الأشياء وتحرص إيما حرص على ربطها بخالقها، فهي من ثمة رؤية تكفل الترشيد للخالق، ولا تجعل منه مظنة بلا منطلق ولا منتهى ..

(1) المثنوي العربي النوري ص 75

(2) المثنوي العربي النوري ص 72.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٦٠