بل إن جذور هذا الانحراف لتكمن في العقيدة الكتابية نفسها، تلك العقيدة التي شكلت أهم رافد لصناعة الفكر والعقلنة الغربية، فقد أقرت تلك العقيدة إنسية الرب، وبشريته، في شخص المسيح، بل وفي شخص يهوة الرب القومي العبري، ذي المنازع البشرية الصارخة .. لقد هيأت العقيدة الكتابية الرب لهذا المصير المؤنسن، فكان عليه أن ينغمس في حياة البشر فيتزوج ويلد ويسري عليه الحتف والعدم في النهاية مثلما يسري على الإنسان سواء بسواء..
من هنا تباينت نظرة الطرفين - من حيث المنطلق - إلى كثير من حقائق هذا الكون وأسراره.. فلا بدع والحال هذه، أن نجد للقرآن نظرته الكونية التي تباين نظرة الفلسفة الغربية في هذا المجال..إذ أن لكل منهما رؤيته الخاصة ومنهاجه الذي يبرز به حقيقة هذا الوجود..
يقول النورسي :
" ..الفلسفة السقيمة والمدنية السفيهة تزيدان جمودتها ( الدنيا) وكدورتها بالتدقيقات الفلسفية والمباحث الطبيعية، وأما القرآن فينفش الدنيا كالعهن بآياته، ويشففها ببيناته، ويذيبها بنيرانه، ويمزق أبديتها الموهومة بنعياته، ويفرق الغفلة المولدة للطبيعة برعداته، فحقيقة الدنيا المتزلزلة تقرأ بلسان حالها المذكورة آية : (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) ( الأعراف :204)".(1)
ويلاحظ النورسي في هذا الصدد أن طبيعة الفلسفة هي طبيعة توصيفية، تحديدية، تستهدف ظاهر الأمور وشكلها.. من هنا كان ديدن الفيلسوف أن يواصف الأشياء والظواهر أو يعاينها كما تبدو له من خارجها، أو كما تقربها إليه حواسُّه، ولا يلتفت إلى علتها الأولى، ولا يهتم بموجدها الأول .. فنظرة الفيلسوف للشمس مثلا لا تعدو التشخيص العيني البارد، السطحي ..
(1) المثنوي العربي النوري ص.76