تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد ظلت دروس النورسي تحتل - منذ مطلع هذا القرن - مقدمة الجبهة الإسلامية المواجهة لتيارات الفلسفة الإلحادية والعقائد الفوضوية والتمردية التي أفرزها القرن التاسع عشر في أوروبا والغرب عامة، والتي راحت تجتاح برياحها الصقيعية بلاد المشرق، وضربت بزمهريرها شجرة الإيمان..

لقد ربط النورسي بين الفلسفة المادية وبين المدنية الغربية، من حيث التوجه اللاروحي، الذي يميزهما. فكلاهما يرسو على قاعدة من الجحود الصراح ، إذ لا تبرح الفلسفة المادية تناهض الإيمان وتغذي قابلية الزيغ والضلال في الإنسان الغربي، فيما تصعد المدنية المعاصرة من دواعي الإنغماس والتحلل، توريطا للفرد في المعصية، وكسبا له.. ذلك لأنها أقامت سوقها على ترويج الخطايا وإشهار الآثام..

بل لقد ميز النورسي اتجاهين يستوعبان عالمنا الأرضي منذ القديم، ويطبعان روحيته.. فهناك –كما يرى – اتجاه شرقي تطغى عليه الروحانية والاعتقاد الغيبي، وهو ما جعل إنسان هذا العالم الشرقي موئلا للنبوات والأديان .. وهناك اتجاه غربي تزدهر فيه الفلسفة ويحفل بالتجريب الفكري، الأمر الذي أعطى لمسيرة كل منهما خصائصها الروحية والوجدانية والمعرفية المميزة..

إن هذا الواقع جعل الرجاحة الروحية تترسخ للبلاد المشرقية، مقابل وطادة عقلية تَرَبُّبية تهيأت للبلاد الغربية، وطبعت فكرها المشوب بالجبروت، وميزت منظورها الوجودي والأخلاقي النزاع إلى الإلحاد..

لقد انتهت تلك الآفاق في رصيد عريض من فكرها وتعاليمها، إلى قتل الإله، وتأليه الإنسان، وتلك مغبة الانغماس في التفكير المادي الوضعي ..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٥٧