تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و يذكر هذا الفيلسوف نفسه في مقال آخر له بعنوان " الحقيقية ووجهة النظر " ظهر سنة 1916، أن ثمة اتجاهين فلسفيين كلاهما خطأ، هما "الشك" و" المذهب العقلي". الأول يقول : إنه ليس ثمة وجهة نظر غير وجهة النظر الفردية، وبهذا ينكر وجود الحقيقة، والثاني يؤكد وجود الحقيقة لكنه من أجل ذلك يفترض وجهة نظر فوق فردية...

وعند أورتيجا أن الاتجاه الصحيح هو القول بأوجه نظر عديدة بقدر الذين ينظرون إلى الكون، وكلٌّ ينظر إليه من زاويته الخاصة . وكما لا يمكن اختراع وجهة النظر، فإن وجهات النظر كلها صادقة، لأن كلا منها يمثل المنظور الذي منه ينظر الانسان إلى الكون . إذ لا يستبعد بعضها بعضا، بل بالعكس هي متكاملة، أعني إن بعضها يكمل بعضا، وليس منها واحدة تستغرق أو تستنفد الواقع كله، بل لا يمكن إحداها أن تنوب عن غيرها أو تحل محلها."

وغير خاف المنحى التلفيقي الذي يلتجئ إليه هذا التصويب الفلسفي الأفتراضي حين ينيط الحقيقة بالإتجاهات المتصارعة جميعها، فيعطي الحق والصواب لكل منها..

ولابد أن نعترف مع ذلك، بأنها نظرة ليس في وسعها إلا أن تتجاوز اِشكالها على ذلك النحو الإجماعي، إذ هي نظرة وليدة الفكر الانساني المحدود ..من هنا فإنها تنم في الواقع عن فوضى أكثر مما تنم عن رشاد يواجه الحقيقة من تلقائها المعقول..

لقد كان هذا هو حال الفلسفة في الغرب في القرن العشرين، القرن الذي وطد لآرائه وأفكاره وهيأ لها أن تنتشر وتسري، حاملة معها قيمها وقناعاتها المادية والتلفيقية، محورة من روحية الأمم والشعوب على قدر انفتاح المجتمعات على تلك القيم والقناعات..

من هنا لا نستغرب إذا ما وجدنا النورسي يتصدى لوقع تلك المداهمات الفكرية الفتاكة والمدمرة التي كانت تستهدف روح الإيمان الحق ..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٥٦