إن الاختلاف بين جوهر الفلسفة ومراميها وبين روح القرآن ومقاصده، يتبدى في طبيعة الصلة بين المصدرين وبين الوجود، ويتبدى أيضا في مستوى الحوار الذي يعقد كل منهما مع الكون وعناصره :
فـ" القرآن يبحث عن معاني كتاب الكائنات ودلالتها، أما الفلسفة فإنما تبحث عن نقوش الحروف ووضعياتها ومناسباتها، ولا تعرف أن الموجودات كلمات تدل على معان، فإن شئت أن ترى فرق حكمة الفلسفة وحكمة القرآن، فراجغ ما في بيان آية: (ومن يؤت الحكمة، فقد أوتي خيرا كثيرا) ".(1)
الفلسفة والقرآن
لا يخفى علينا واقع الاسترابة الذي طفق يكتنف رؤى الفلسفة عبر العصور ويرتكس بها إلى نقطة البدء، نتيجة فشلها في الوفاء بالتزاماتها المعرفية ورهاناتها الكشفية إزاء حيرة الإنسان وضياعه وجهله بعلل هذا الوجود وبمقاصده..
ومما لا شك فيه أن تنوع الفلسفات واختلاف مشاربها وتباين مراميها، يعكس وطأة التيه الخانقة التي ظل العقل البشري يضرب فيها، بحثا عن معالم طريق يسكن إليه ويقر فيه قراره.. فلقد لبثت التسديدات التأملية تقلب النظر في هذا الاتجاه وفي ذاك، نشدانا للحقيقة وطلبا للاستنارة التي تثوب بها السكينة إلى قلب المخلوق..
لكن تلك التسديدات ظلت في كل مرة تصطدم بما يسفهها ويفند مسلماتها ويهز يقينها.
لقد ضاعت الحقيقة بين الاجتهادات والتجديدات النظرية، إذ تشعبتها الفرضيات والسبل، ولم يتهيأ لها في أي صدد طرقته، هداية أو يقين ..
ولعل ذلك ما أشار إليه الفيلسوف الإسباني المعاصر أورتيجا إي جاست، حيث يقول : لقد أساء إلى الفلسفة حتى الآن أنها نظرة وحيدة مطلقة، ولهذا رأينا اختلاف المذاهب وتنازعها وضرب بعضها ببعض على طول العصور..
(1) المثنوي العربي النوري ص 76