"..إن أكثر معلومات البشر الأرضية ومسلماته، بل بديهياته، مبنية على الألفة، وهي مفروشة على الجهل المركب، ففي الأساس فساد أي فساد . فلهذا السر تُوَجِّهُ الآيات أنظار البشر إلى العاديات المألوفة، وتثقب نجوم القرآن حجاب الألفة، ويأخذ بأذن البشر ويُميل رأسَه، ويريه ما تحت الألفة من خوارق العادات في عين العاديات..". (1)
من سجايا علو الخطاب القرآني وكمال بيانه
لقد طفق النورسي يرادف المواقف التي سعى من خلالها إلى إبراز الخصوصيات الإعجازية للخطاب القرآني، من ذلك ما لاحظه حول انجدال البيان القرآني القائم على المقابلة في الإدلاء بين عوامل خطابية معنوية ونصية متناظرة .. فالوحدة يقابلها التعدد، والإجمال يعقبه التفصيل، والمقدمات تتوج بالنتائج، كل ذلك ضمن سياق من الاسترسال البياني القويم الذي لا يملك ازاءه الذهن إلا أن يستيقظ ويظل مشدودا، لما يميز الأداء من توثب لا يخترقه الفتور .. يقول النورسي :
"..اِعلم أن من مزيات علو القرآن، اِيراد مذكرات الوحدة خلف مباحث الكثرة، والإجمال عقيب التفصيل، وترديف بحث الجزئيات، بدساتير الربوبية المطلقة، ونواميس الصفات الكمالية العامة الشاملة، بذكر فذلكات كالنتائج، أو كالتعلات في أخريات الآيات، لأجل أن لا يتغلغل ذهن السامع في ذلك الجزء الكوني المذكور، لذي العظمة والهيبة والكبرياء. وكذا ليبسط ذهنك من ذلك الجزئي إلى أمثاله وأشباهه .. وكذلك يريك القرآن بهذا الأسلوب، ويفهمك أن في كل جزئي ولو حقيرا وزائلا سبيلا واضحا، وصراطا مستقيما، ومحجة بيضاء إلى معرفة سلطان الأزل والأبد، وإلى شهود جلوات أسماء الأحد الصمد". (2)
بين مرامي القرآن العظيم ومرامي الفلسفة
(1) المثنوي العربي النوري ص 324.
(2) المثنوي العربي النوري ص 410.