إن الديمومة التي تكرست لبراهين القرآن وحججه، مقابل تبلبل الافتراضات الفلسفية وتغير حججها عبر الزمان والمكان، لمما يدفع بالنفس الإنسانية إلى التفكير في حقيقة كل من المذهبين: الإيماني الروحي، والعقلي التجريبي، انتهاء إلى ترجيح كفة الثابت على المتحول، السماوي على الأرضي، وذلك ما يكرس الإيمان ويستقيم به المسار في هذا الوجود..
القرآن خرق للمألوف
ومن الخاصيات التوصيلية الأخرى التي يسجلها النورسي للقرآن العظيم، مباشرته للمسلمات والبديهيات التي اعتادها الحس ودرجت عليها مدارك الإنسان، إذ يستثيرها، ويستحضرها، ولكن بمقصد اعتباري، تحسيسي .. فإحالات القرآن المتواترة إلى الفضاء السحيق وما يعمره من سموات وأرضين مثلا، إنما تدأب على إسْتِدْعاء المشهد الكوني الذي يكتنف المخلوقات والذي لا تنكره الخليقة لما يربطها به من ألفة ..
لكن استدعاءات القرآن لهذا المشهد الكوني المألوف، والملابس لمواجد الإنسان ولوجوده، إنما تواترت لتشد الأذهان والبصائر إلى ما يخفيه هذا المشهد من حقائق لا تدركها الجوارح الحسية.. من هنا أربطت فلسفة القرآن أسسها التأملية، التعبدية، الموصولة بالفكر وبالتفكير بالخالق، من خلال لفت الأبصار إلى مرافق هذا الكون الخارق الذي هو من ابداعه وايجاده - عز وعلا- .. إذ أن استحضار الخطاب القرآني العظيم لعناصر الكون المحسوس، قد اقترن دائما بتقرير مبدأ الألوهية أو تَلاَزَمَ مع الدعوة إلى التفكير في الماهية السامية التي أوجدت كل ما تحفل به الآفاق من موجودات..