" ..اِعلم أن الكتاب الكبير المشهود ( أي العالم ) والكتاب العزيز المسموع ( أي القرآن) بخس البشرَ حقَّهما، إذ فيلسوفهم المتفكر لا يعطي بالذات (للواجب) إلا جزءا بسيطا وقشرا رقيقا أو تركيبا اعتباريا، ثم يقسم الباقي على علل موهومات، بل ممتنعات وأسماء بلا مسميات .. وأما الموحد فيقول : الكل ماله ومنه وإليه وبه.
أما القرآن، فأديبهم المتخيل لا يعطي لذي العرش من ذلك القصر المحتشم ( أي من القرآن ) .. إلا بعض نقوش النظم، وقسما من المعاني .. ثم يقسم الباقي من تلك النجوم السماوية على ساكني الأرض بدسيسة تلاحق الأفكار ..". (1)
فالإختلاف بين أهل الإيمان وأهل الضلال يكمن في المنطلق الإحالي الذي ينيط به كل منهما الوجود، ففيما يقر المؤمن للخالق بمصدرية الأكوان والموجودات، يحرص الضال على أن يتمحل عللا ومصادر حسية لهذا الوجود.. اعتقادا منه بأن المادة تخلق المادة، متناسيا الأصل والمنشأ..
فـ"المؤمن الحق يقول : كل ما اشتمل عليه من أول الأساسات إلى آخر نقوش النظم منه وله. وأن القرآن لف في أساليب هي معاكس ألوف مراتب مقتضيات المقامات وحسيات المخاطبين.. وكذا مرَّ القرآن على سبعين ألف حجاب، وتداخَلَ إلى أعماق القلوب والأرواح، وسافر ناشرا لفيضه ومونسا بخطابه على طبقات البشر، يفهمه ويعرفه كل دور، ويعترف بكماله ويقبله كل قرن، ويستأنس به ويتخذه أستاذا كل عصر، ويحتاج إليه ويحترمه كل زمان بدرجة يتخيل كلٌّ: أنه أنزل له خاصة، فليس ذلك الكتاب شيئا رقيقا سطحيا، بل بحر زخار وشمس فياض وكتاب عميق دقيق ". (2)
(1) المثنوي العربي النوري ص 308
(2) المثنوي العربي النوري ص 308.