ولعل هذه الخاصية تتجلى في العلاقة التي تربط استهلالات السور بنهاياتها، ذلك أن خواتم الآيات مرتبطة بفحوى السور ضمن كلية المتن القرآني.. وهو ما سجله النورسي بقوله :
" اعلم أن الفذلكات المذكورة في أواخر الآيات لاتنظر إلى تلك الآية التي هي فيها فقط، بل تنظر إلى مجموع القصة، بل إلى تمام السورة ، بل إلى جميع القرآن، لتساند الآيات وتلاحظها وتناظرها، فلا تزن ما في الفذلكة بميزان آيتها فقط، ولا تحمل عظمتها على حكم جزئي مَهَّدَ المحل لذكرها، وإلا بخسْتَها حقها مثل قال (وكذلك نفصل الآيات ). ( ولقد صرفنا في هذا القرآن ). (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ). (إن الله عليم قدير ). ومثل(لعلكم تذكرون).و(لعلكم تتقون).. وأمثالها مما له عيون ناظرة إلى أكثر الآيات التنزيلية، وأكثر الآيات التكوينية، وأكثر الأحوال البشرية. فهذه الخواتيم القرآنية التي تمهر بها الآيات مع تأييدها لآياتها، ترفع رأس المخاطب من الجزئي المشتت، إلى الكلي البسيط، ومن الجزء المفصل، إلى الكل المجمل، وتوجه نظره إلى المقصد الأعلى، وغير ذلك من أسرار البلاغة.".(1)
النظر القرآني الكلي والقطعي يسفّه النظر الفلسفي الجزئي والتوهمي
لقد آمن النورسي أن رؤية القرآن العظيم - زيادة عما يؤكده منطق الأشياء من حولنا في هذا الكون - تسفه رؤية الفلسفة و تفند نظرة العقل الوضعي والتخيلي إلى حقيقة الألوهية وكنهها القدري وإلى قضايا الوجود.. ذلك العقل الذي راح يعتدُّ بالظواهر في حركتها الدنيا، العينية، متغافلا عما يصلها بالخالق - عز وجل - الذي هيأها وجعلها مجلى لقدرته وجبروته:
(1) المثنوي العربي النوري ص 267