تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقراءة القرآن للكون الماثل للعيان، وتمثله للظواهر الشاخصة، هو تفعيل تربوي غاية في الترشيد، إذ كل متفحص لآياته المنزلة يدهش من هذا التواتر المستمر لمعاني الكون الحسي ونظمه ومكوناته، والمحيلة على الخالق سبحانه وتعالى.. يقول النورسي متابعا حديثه عن هذا التواصل القائم بين الكون المنظور والكون المضمر الذي يصدر عنه القرآن:

".. ثم انظر إلى جزالة بيان القرآن كيف يتلو على الإنسان ما كتبته القدرة في صحائف الكائنات، حتى كأن القرآن قراءة للكائنات ونظاماتها وتلاوة لشؤون مكونها وأفاعيله، فإن شئت فاستمع بقلب شهيد أمثال سورة (عم ) وآية ( قل اللهم مالك الملك). (آل عمران:26) (1)

على أنه لا ينبغي أن يغيب عنا أن الخطاب القرآني حين يشير إلى بعض التعيينات الخاصة، وإن جاءت في الظاهر تتعلق بالإنسان وشؤونه، إلا أنها غالبا ما تتضمن مقاصد أعم وأشمل .. وهو ما سجله النورسي إذ قال :

"..اِعلم أن ذكر القرآن لبعض الغايات الراجعة إلى الإنسان إنما هو للأخطار لا للإنحصار، أي لتوجيه نظره إلى الدقة في فوائد نظام ذلك الشيء ذي الغاية، وفي انتظامه الدال على أسماء صانعه، إذ الانسان إنما يهتم بما له علاقة ما به، فيرجح ذرة ما إليه على شمس ليست إليه.. مثلا ( والقمر قدرناه منازل )، (لتعلموا عدد السنين والحساب) . هذه غاية من ألوف غايات تقدير القمر، وليس المراد الانحصار، أي إنما خلق ذلك لهذا، بل إن هذا المشهود لكم من ثمرات ذلك.. ".(2)

بل لقد رأى النورسي في الكون المحسوس، كتابا إلهيا يضاهي الكتاب المنزل، وهو ما عبر عنه بالقرآن المعنوي والقرآن الحرفي. لأن الكتابين معا هما من إرادة الله، ومن قدرته :

(1) المثنوي العربي النوري ص 281

(2) المثنوي العربي النوري ص 357

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٤٨