وإذا كان هناك تأويل كثير لمسألة التمثل بالذات الإلهية - سواء من حيث اصطناع الأنا العلوي أو من حيث الصدور عن ذلك الأنا المطلق - فلا جرم أن بلاغة النورسي قد ابتعدت عن مواطن الريبة، إذ جاءت مطارحات المثنوي تصريحات لا تتوفر فحسب على رجاحتها العقلية وعلى امتلاكها لزمامها الرؤيوي الإيماني الراسخ، ولكنها - إلى ذلك - جاءت مطارحات قرآنية الروح، لا تقلب النظر في الكون ولا تستوثق لدلائلها العقلية إلا من خلال آيات الله البينات كما أودعها الخالق في محكمه العزيز..
فلا بدع - والحال تلك - أن يصدر النورسي عن تلك الروح القرآنية، فـ"قد كان الاشتغال بالقرآن الكريم والتعمق في فهمه الشغل الشاغل لهذه العقلية النيرة، فاعتبارا من إشارات الإعجاز، إلى المثنوي، إلى الكلمات المختلفة في كتابه (الكلمات) ولا سيما الكلمة الخامسة والعشرون، نراه يتنفس القرآن في كل كلمة يفضي بها ". (1)
لقد دأب النورسي يؤكد الطابع الإنفتاحي الذي يميز الدلالة القرآنية واتساع الأفق الذي يمكنها أن تستوعبه تأويلا وايعازا .. ونتيجة ذلك الانفتاح أو الانفساح المعنوي هو ما يسَّر - بحسبه – على الخاصة والعامة أن تصيب من النص القرآني حظوظا إدراكية تتفاوت وفق تفاوت الاستعداد والقابلية ..
ذلك لأن تعدد مشارب التلقي حيال القرآن العظيم - من حيث قابلية الثمثل والتنوع، وبقاء وحدته التوحيدية المبدئية - أمر ثابت ولا مراء فيه لأنه ".. كما لكل أحد من العالم عالما يخصه، كذلك لكلٍّ - باعتبار مشربه من القرآن - قرآنٌ يخصه ويربيه ويداويه..".(2)
تعليمية القرآن ذات الحقائق المجَسَّمَة في العيان
(1) من تقديم المثنوي العربي النوري.
(2) المثنوي العربي النوري ص 249