تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك أن النورسي - وإن انطبع خطابه بمسحة أصيلة من التواجد والتهيام الشعري والذوقي أبانت عنها بلاغة النجوى الروحية التي عالج بها قضايا التوحيد في سائر كتبه ورسائله - إلا أنه ظل فيها جميعا - لا سيما في المثنوي - على كامل وعيه الأدائي، يقرر ما يقرر ليس عن انجذاب روحي أو انخطاف عاطفي تُمْلِي فحواه لواعج الباطن، ولكنه ظل يكشف عن خوالجه انطلاقا من فكر راجح وعقل مستوعب لإشكالية الإيمان - لا كما طرحها السلف، أو تداولوها في مجادلاتهم فقط - ولكنه إلى ذلك تَمَثَّلَ مسألة التوحيد والإيمان من خلال فهم راهن، محايثٍ لما يكتنف روحية التوحيد القرآنية من مصادرات عدوانية وتشديد للخناق عليها..

وغير خاف المنحى الإفضائي الذي ميز الأداء الإعرابي عند النورسي ..لقد استجمعت تلك البلاغة التي عالج بها النورسي مسألة التوحيد أصداءً من بلاغات شتى جربها أهل السلوك في ما عالجوا من أحوال و في ما تجشموا من أشواق .. فكان طبيعيا أن تحمل تلك البلاغة شيئا من مسحة التواجد التي ميزت بَوْحِيَاتِ أصحاب الكشوف، لا سيما النفري.. إلا أن الفارق الأدائي يبقى بارزا بين إفضاءات المثنوي وإفضاءات موافقات النفري ومخاطباته..

لقد حمل خطاب النفري في تلك المقامات مسحة حلولية، إذ جاء القول يصطنع لسان الخالق، الأمر الذي خرق - شكليا كما نعتقد - بروتوكول التراتب التوصيلي المعروف، إذ لا ينبغي أن يَتَقَنَّعَ المخلوق بخطاب الخالق، ويصطنع ماهيته العلوية ،وذلك ما وقعت فيه – على نحو أو آخر – أدائية النفري، إذ تصدت للقول من منطلق فوقي، علوي ..

لكأن الخطاب -في تلك المواقف - يصدر عن الذات الإلهية وليس عن هوية بشرية تعرض فكرها وما يقر في قلبها من مواجد واستشرافات مردها الاعتلاج والتماهي الروحي الذي انجذب إليه السالك ولم يسعه فيه إلجام جموحه الوجداني..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٤٥