تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بهذه الروح الموقنة من الرحيل، أصَّلَ النورسي نظرته الوجودية وجعلها نظرة تستمد قناعتها من تعاليم القرآن..

لقد عاش الأنبياء بهذه الروح، فقد كانت تجربة الحياة بالنسبة إليهم مجرد رحلة ابتلاء، لا يأبهون بما يصيبونه فيها إلا على مقدار ما تتأكد به طاعتهم وقربهم من الخالق.. لقد عاش الرسول - صلى الله عليه وسلم - أزهد ما يكون في الدنيا، ولكنه زهد لم يقعد به عن السعي وأداء واجبات هذه الحياة كما حددها له ربه.. وطبيعي أن يستنَّ الصالحون ومنهم النورسي في هذا المجال بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان – من ثمة – شعارهم أن مقامهم في الدنيا مقام عابر، وأن مكثهم بها ظرفي، وأنهم موكلون بتأدية صالح الأعمال الذي تزكو به أرواحهم وتخلُصُ خضوعيتُهم لربهم في ما يُظهرون ويُسِرُّون..

فالموت ليس اعداما، ولكنه تحول إلى طور السرمدية والخلود، ولذلك كان لابد وأن يكون فيه العبد المرتحل على حظ من الاستعداد والتزود..

".. إننا.. على يقين لا يتزعزع بأن الموت بالنسبة لنا - بسر القرآن الكريم - ليس اِعداما أبديا، بل تذكرة تسريح .. بينما يُعَدُّ هذا الموت بالنسبة لمعارضينا وبالنسبة للسائرين في درب الضلالة موتا أكيدا واِعداما أبديا ( إن لم يكن يؤمن بالآخرة إيمانا لا شبهة فيه). (1)

القرآن الكريم

تلابست اِفادات البوح - التي استغرقت أجزاء ( المثنوي ) - بروح القرآن، من حيث شكَّلَ القرآن العظيم أرضيتها الرؤية الفكرية، ومنطلقها الاستبصاري العقلي الذي صدر عنه النورسي واسترشده ..

إذ أن مواجد الإيمان ومشاعر اليقين التي طفقت تستغرق النورسي، لم تسترسل على صورة تِهْيَامٍ مشبوبٍ ينتهي بها إلى تلك المشارف التي تغيب فيها عن المخاطب والمتلقي لمعةُ الوضوح، وتغدو الدلالة مفتوحة على آفاق معنوية ظنية..

(1) الشعاعات ص329.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٤٤