تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد ظلت تصريحات النورسي تؤكد هذه الحقيقة التي تُظهِرُ مدى تولع الفرد بالحياة وبالبقاء .. مقابل تَفَجُّعِه وتَرَوُّعِه حيال قدر الموت.." إنني أسألكم أتوجد في هذه الدنيا مسألة أكبر من مسالة الموت ؟.أهناك مسألة إنسانية أهم وأكبر من هذه المسألة؟".(1)

إنه تساؤل وجودي يؤكد أن الموت قوة لا تقهر، وأن الإنسان العنيد بطبعه، سيظل مسكونا بفاجعة الموت لأنه يرى فيها الإعجاز المريع الذي يتحداه ويقمع فيه كل توق إلى الإستعلاء والتحرر:

"ما دام الموت لا يقتل، وباب القبر لا يغلق، فإن أعظم ما سيشغل بال الانسان ويشكل أكبر معضلة له، هو النجاة من يد جلاد الموت هذا، والخلاص من سجن القبر المنفرد".(2)

ومما لاشك فيه أن مثل هذه التصريحات الصادرة عن النورسي إنما تكشف الحال التي أقلته - هو أيضا - إلى عدوَة الإنابة والتسليم لله .. لقد عَبَر إلى اليقين الإيماني بعد أن تجشم أعباء الخوف من العدم، والنفور من الزوال، والقنوط من جدوى حياة مؤطرة بالموت:

" حينما وافقت العوارض المزلزلة لكياني أمثال الشيب والغربة والمرض وكوني مغلوبا على أمري، فترة غفلتي، وكأن وجودي الذي أتعلق به بشدة يذهب إلى العدم، بل وجود المخلوقات كلها يفنى وينتهي إلى الزوال .. ولَّدَ عندي ذهاب الجميع إلى العدم قلقا شديدا واضطرابا أليما، فراجعت الآية الكريمة ( حسبنا الله ونعم الوكيل).(3).

لم يعش النورسي تحت وهم الغفلة التي تلابس الإنسان وتجعله يحيى بروح من سيُعَمِّرُ أبدا، وأنه لن يغادر هذه الحياة قط.. بل لقد وضع نُصْبَ عينيه حقيقة الموت ومغادرة عالم الدنيا:

" الموت لا مفرَّ منه أبدا، بل مجيئه أيقن من مجيئ الليل لهذا النهار .. فالموت الذي يفرغ كل مدينة من سكانها مائة مرة ويدفع بهم إلى المقابر، لابد أنه يطلب شيئا أكثر من هذه الحياة الفانية وأعظم رفعة منها .."(4)

(1) الشعاعات ص329.

(2) الشعاعات ص243

(3) الشعاعات ص79

(4) الشعاعات ص243

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٤٣