تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالحياة بما حفلت به من تنوع في مُقَدَّرَاتِها، وبما تَوَفَّر لها من اغتناء في الألوان والطبوع والمكونات، وما تميزت به من تعقُّدٍ في تركيب الظواهر وتعددها، كل ذلك جعل الإنسان يستشعر -على نحو أو آخر- أن هذا الغنى وهذا التلون وهذا التداخل قد هيئ له ولفائدته..

من هنا ترَسَّخت محبتُه لهذه الحياة التي تغمره نعمُها من كل جانب والتي لا يستطيع - مع ذلك -أن يستغرق حاجته منها لما جُبِلَ عليه من شَرَهٍ، ولما طُبٍعَ به مروره في هذه الحياة من قِصَرٍ..

على أن هذه اللهفة لا يمكن أن تترجم بأنها خروج عن الحد السوي الذي يحتمه سلطان الفضيلة، بل لا بد وأن يكون حرصُ الإنسان على الحياة والبقاء، ومحبته الجارفة لها، وتعلقه بها، يترجم النزوع الفطري الذي أودعه الله سرا من أسراره في الإنسان وفي روحه وجوانحه " لابد أن حقيقة الماهية الانسانية الشاملة جدا مرتبطة فطرةً بالخلود والبقاء.." (1)

من هنا غدت واقعة الموت أكبر الظواهر التي تعكس عجز الإنسان ومأساويته الوجودية..

بالإيمان يتحقق فلاح الانسان

لقد خلق الإنسان ضعيفا، شريدا، محفوفا بأعداء لا عداد لهم، وقد اعتصم في وجه الزعازع بمنارة التوحيد .." فلولا التوحيد لأصبح الانسان أشقى المخلوقات وأدنى الموجودات وأضغف الحيوانات وأشد ذوي المشاعر حزنا وأكثرهم عذابا وألما، ذلك لأن الإنسان يحمل عجزا غير متناه، وله أعداء لا نهاية لهم، وينطوي على فقر دائم لا حدود له وجاجات لا حدود لها..". (2)

ومع ذلك جهزه الله بعدة ادراكية وتجاوزية تظل مهمتها الاسنادية كفيلة بتحقيق سعادته المنوطة بشرط الإيمان.. إذ بدون الإيمان يفتقد الانسان ارتكازات سكينته وسعادته..

النورسي و هاجس الموت

(1) الشعاعات ص278

(2) أنظر الشعاعات ص.19.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٤٢