"..أما دستور الفلسفة فهو( أن حكمة كل كائن حي وفائدته متوجهة إلى نفسه أو تعود إلى منافع الانسان ومصالحه )، هذه القاعدة تسلب من الموجودات حكما كثيرة أنيطت بها، وتعطي ثمرة جزئية كحبة من خردل إلى شجرة ضخمة هائلة، فتحول الموجودات إلى عبث لا طائل من ورائه.."
إن هذه الرؤية التي كرستها الفلسفة القديمة في الفكر الانساني، وحاولت من خلالها أن تفصم العلاقة الفعلية والمصدرية بين الموجودات وبارئها، قد أثرت التأثير السلبي على المفكرين المسلمين ،إذ لوثت نظرة التوحيد التي أرساها الاسلام في القلوب، وهو ما لاحظه النورسي، إذ سجل أن فلاسفة الاسلام - بنظرتهم إلى كثير من الأشياء - كانوا ضحايا للفلسفة .. ولم يبلغوا من الإيمان أبعد من عتبته:
" ذلك لأنه - ونظرا لاستناد الفلسفة إلى مثل هذه الأسس السقيمة ولنتائجها الوخيمة -فإن فلاسفة الاسلام الدهاة الذين غرهم مظهر الفلسفة البراق، فانساقوا إلى طريقها، كابن سيناء والفارابي، لم ينالوا إلا أدنى درجة الإيمان، درجة المؤمن العادي، بل لم يمنحهم حجة الاسلام الإمام الغزالي حتى تلك الدرجة، وكذا أئمة المعتزلة، وهم من علماء الكلام المتبحرين، فلأنهم افتتنوا بالفلسفة وزينتها وأوثقوا صلتهم بها، وحكَّموا العقل، لم يظفروا سوى بدرجة المؤمن المبتدع الفاسق.."(1)
بل لقد وجدناه يترصد نتائج الإختراق الفلسفي السلبي لمجالات ثقافية ومعرفية أخرى أكثر حيوية لصلتها بالمجتمع وبالحياة العامة، ونقصد بها المجال الأدبي والفني..
(1) الكلمات ص.645.