وهي نظرة أفضت بطبيعتها إلى القول بالتراتب بين الوسائط، والزعم بوجود منظومة من العقول تدير الكون، أعلاها وأرقاها هو العقل الأول.. إن هذا التعالق أو التلازم الوسيطي بين المصدر ومنتوجه هو ما يعطي للوسيط صبغة الطرفية، وبالتالي، يجعل منه شريكا في عملية الإيجاد، الأمر الذي تنتفي معه الواحدية.. وذلك ما يلاحظه النورسي، إذ يستطرد:
"..هذه القاعدة للفلسفة القديمة تعطي للأسباب القائمة والوسائط نوعا من الشراكة في الربوبية وتظهر أن القدير على كل شيء والغني المطلق والمستغني عن كل شيء بحاجة إلى وسائط عاجزة، بل ضلوا ضلالا بعيدا فأطلقوا على الخالق - جل وعلا- اسم مخلوق وهو : العقل الأول .. وقسموا سائر ملكه بين الوسائط، ففتحوا الطريق إلى شرك عظيم.. فإن كان الإشراقيون الذين هم أرقى الفلاسفة والحكماء فهماً يتفوهون بهذا السخف من الكلام، فكيف يكون يا ترى كلام من هم دونهم في الفلسفة والحكمة من ماديين وطبيعيين؟. ". (1)
ويلاحظ النورسي في هذا الصدد أن النبوة تقرر أن للأشياء حِكَماٌ كثيرة تتجه إلى ذاتها وإلى غيرها، وإلى خالقها على وجه الخصوص..
"..إنه من الدساتير الحكيمة للنبوة أن لكل شيء حكما كثيرة ومنافع شتى حتى أن للثمرة من الحكم ما يعد بعدد ثمرات الشجرة.. فإن كانت هناك نتيجة واحدة - لخلق ذي حياة - متوجهة إلى المخلوق نفسه، وحكمة واحدة من وجوده تعود إليه، فإن آلافا من النتائج تعود إلى خالقه الحكيم، وآلافا من الحكم تتوجه إلى فاطره الجليل.
بينما تقرر الفلسفة أن الحكمة في الأشياء هي تحقيق النفع الذاتي أو هي ضمان الحاجة الاستنفاعية التي ينالها الانسان منها بحيلته وتدبيره..
(1) الكلمات ص.645.644.