تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما فتئ النورسي يتحدث عن الإيمان وبواعثه والشواهد التي تستقرئ النفوس بواسطتها الحجة والبرهان على الوحدانية.. ولا ريب أن النورسي يدرك أن هناك من الظواهر والمثيرات الحسية ما يجعل النفس تحدس - مباشرة وبتلقائية - حقيقة التوحيد والوحدانية .. وإلى هذا هناك مستويات من التجرد والتأمل العقليين تجعل من عملية الإقرار بالوحدانية صعيدا برهانيا وفكريا تتهيأ فيه امكانية الإثبات والاستدلال عن الوحدانية..

لقد ميز النورسي في مؤلفه الموسوم بـ: (الكلمات) والذي عالج فيه- في جملة ما عالج - قضية الإيمان بالخالق، ميز بين مستويين من التوحيد:

1- التوحيد العامي الظاهري.. وهو مستوى إيماني قلبي، وطبيعته - أنه يحمل دلالة إثباته على الوحدانية من غير أن يكون في حاجة إلى أن يدلل على فحواه، فهو توحيد - كما يقول - يثبت بأن لا يثبت.. أو هو يشير من غير ما إشارة، إذ في ظاهر حاله حقيقتُهُ وكنهُه التوحيدي الجلي..

ذلك "..أن الحقيقة تشبه الظاهر في الصورة، مع عظمة بُعْدِ ما بينهما في نفس الأمر..

2- وهناك توحيد آخر يسميه توحيد أهل الحقيقة.. وطبيعته- كما يقول النورسي - أنه يثبت بأن يثبت..

ومن غير شك أن النورسي يشير هنا إلى توحيد أهل الفكر الذين يؤسسون إيمانهم على قاعدة العقل والفكر..

ويشرح النورسي رؤيته هذه بالحديث عن خصوصية كلا التوحيدين الظاهري والعقلي، فيرى أن: التوحيد العامي الظاهري يثبت بأن لا يثبت ولا يسند الأشياء والمخلوقات إلى غيره تعالى ".. فالسلبية البادية في هذا النوع من التوحيد، هي أسُّ إيجابيته في واقع الأمر.. بمعنى أن إقراره بظاهر الحقيقة واقتناعه باندماجها في نطاق الشمولية المطلقة للقدرة الإلهية - ذلك النطاق الذي يترجمه معنى الربوبية - هو مناط ذلك التوحيد أو ذلك الإيمان..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٣٦