فإذا فصلت هناك - يعني في نفسك - وأجملت هنا، تقربت إلى الوحدة، فصارت الجزئيات أجزاء، والأنواع كلا، والمختلط ممتزجا، والممتزج متحدا، فيفور منه نور اليقين.
وإذا عكست بأن أجملت فيك، وفصلت في الآفاق تشتت بك الكثرة وتستهوي بك الأوهام وتستغلظ أنانيتك، وتتصلب غفلتك، فتنقلب طبيعة . فهذا طريق الكثرة المنجرة إلى الضلالة .." .(1)
ويحدد النورسي - بعد هذا - أوجه البراهين التوحيدية ويقسمها إلى ثلاثة أقسام ..ويدعو المستكشف إلى الحذر من المجازفة في الاعتداد بما قد يصيب خلال تقمصه لهذه الأقسام من فوائد أولية في طريق الإيمان :
".. يا من يحب أن ينظر ويصل إلى نور معرفة الحق سبحانه من مسامات الدلائل والبراهين ومن مرايا الآيات والشواهد، لا تتجسس بأصابع التنقيد ما جرى عليك، ولا تنقد بيد ما وهب إليك، ولا تمدن يدك لأخذ نور أضاء لك، بل تجرد وتعرض وتوجه .. فإني قد شاهدت من أنواع الشواهد والبراهين ثلاثة:
1-قسم محسوس ومرئي، وإن تعذر المسك به، فهو بمثابة الماء يرى ويلمس، ولكن لا تقبض عليه الأصابع..
قسم منها كالماء يرى ويحس، ولكن لا يستمسك بالاصبع، فتجرد عن خيالاتك، وانغمس فيه بكليتك، ولا تتجسس بإصبع التنقيد، فإنه يسيل ولا يرضى بالأصبع محلا .
2-وقسم يحس، ويلمس، ولكن لا يرى، فهو بمثابة الهواء، يمسنا ونحس به، ونحيا به لكننا لانراه..
وقسم منها كالهواء يحس ولكن لا يرى ولا يتخذ، فتعرص بوجهك وفمك وروحك لنفحات رياح الرحمة، ولا تقابلها بيد الأخذ والتنقيد والتردد، بدل تنفس الفم وتروح الروح، فإنه يزول، وهو منطلق ولا يرضى باليد منزلا .
3-وقسم يرى لكنه لا يلمس، ولا يقبض عليه، فهو بمنزلة النور الذي يعشي أبصارنا ، لكننا لا نستطيع الإمساك به، ولا محاصرته في حيز ..
(1) المثنوي العربي النوري ص 256.