تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يرى النورسي أن التفكير الروحي يذب الغفلة عن النفس، وأن نهج الاستبطان والتأمل القلبي إذا ما استقام على أسس روحية سوية لا محالة سيؤدي إلى الإيمان بالله ".. إن التفكير نور يذيب الغفلة الباردة الجامدة، والدقة نار تحرق الأوهام .. لكن إذا تفكرت في نفسك فدقق وتمهل وتغلغل وفصله تفصيلا، بمقتضى الاسم ( الباطن) المتعمق، إذ كمال الصنعة أتم في تحليله وتفصيله".(1)

منهج التفكير المجدي

على أن النورسي قد وضع شروطا للتفكير الوجودي من شأنها أن تَحُدَّ من ضياع القلب وتسيب الروح وراء آماد من الحيرة الفكرية التي لا تستطيع أن تحيط بشساعتها، بل والتي لا تتمكن من الظفر منها بطائل اللهم إلا المضي في طريق الشك وعدم اليقين..

فإطلاق العنان لقابلية التأمل لدى الإنسان والتجنيح في غياهب غيبية لا ضابط موضوعي لها قد لا يثمر ولا يقود إلا إلى متاهة تتميع فيها لطائف الاستعداد الروحي الذي تتميز به أعماق النفس جبلة..

فمواجهة المطلقات بغير تهيئ روحي وقلبي قد لا يضمن حصول الإيمان وقراره في القلب، لذلك وجب على المتفكر في شؤون الغيب والملكوت أن ينطلق من دعامات معرفية تكون له بمثابة الموجِّه والدليل في ذهابه وإيابه..

من هنا كان التفكير في الكائنات والموجودات مطلقا يشوش النظر ويُتَيِّهُهُ.. بعكس التفكير في الذات وفي النفس، إذ أن ذلك من شأنه أن يركز الفكر ويحصر الجهد في نطاق استدلالي مقيد.. لقد بيَّنَ النورسي للمتأمل النهج الذي عليه أن يتبعه في تمرساته الروحية والقلبية من أجل أن لا تزل به القدم :

"وإذا تفكرت في الآفاق، فأجمل ولا تغص ولا تخض إلا لحاجة اِيضاح القاعدة، ولا تحدد النظر، كما هو مقتضى الاسم (الظاهر) الواسع، إذ شعشعة الصنعة أجلى وأجمل في إجماله ومجموعه، ولئلا تغرق فيما لا ساحل له.

(1) المثنوي العربي النوري ص 256

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٣٣