فمبدأ الوحدة الذي تقوم عليه عِلِّيَةُ الأشياء في هذا الكون هو دليل عقلي على التوحيد ..ومن شأن بلسم التوحيد إذا ما لابس النفس عن بيِّنة وبصيرة، أن يحررها من أوهام لا تقتصر مضارها على الجانب الروحي المعنوي فقط، ولكن آثار تلك المضار ستشمل فاعلية الانسان كلية، لأنها ستربطه بمنطلقات أرضية لا تسمو بها النفس، ولا يتاح للعقل الإنساني معها أن يضرب مَليًا في رحاب المعرفة، وفي تعميقها بالقدر الذي يتلاءم حقا مع ما أهَّلَ الله له الانسان من طلاقة وروحانية يخترق بهما آماد المجهول..
إن رسوح عقيدة التوحيد يلغي وَهْمَ التعددية الذي أضل الإنسانية طويلا ورغَّمَها في طين الوثنية والشرك ..
ذلك أن منطق تعددية الآلهة لا يحتمله نظام الكون ولا ينسجم مع طبيعة الأشياء.. ولا يسيغه العقل، حتى العقل المادي، إذ أن هذا العقل يقر هو أيضا بأن الكون مصدره واحد، هو المادة ..
من هنا طفق النورسي يؤكد حقيقة رسو الوجود على منطق التوحيد
" لقد شاهدت أنه لو لم يسند كل شيء إليه تعالى، لزم إثبات آلهة غير متناهية، كل منها ضدٌّ للكل وصنوٌ في آن واحد.. يزيد عددها على عدد ذرات العالم ومركباتها، بوجه يكون كل إله يمد يده إلى مجموع العالم ويتصرف فيه.(1)
التساوق التكويني الباهر دليل الوحدانية
إن التناسق الذي يعم مرافق الكون وعناصره، ويعطيها صفة الكتاب الفني، المرقوم، لهو دليل الوحدانية، وبرهان التوحيد:
"..إن الإعجاز الباهر الظاهر في النظام والتناسق والإطراد المشاهد في كتاب الكون الكبير - وهو برهاننا الثاني على التوحيد - يُظهر بوضوح تام كالشمس الساطعة أن الكون وما فيه ليس إلا آثار قدرة مطلقة وعلم لا يتناهى وإرادة أزلية..".(2)
الوصف المطلق يحيل إليه سبحانه وتعالى، انحصارا
(1) المثنوي العربي النوري ص 161.
(2) المثنوي العربي النوري ص 426