تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك رأيناه يتبع طريقة التمحيص النصي ويتخذها منطلقا للتأمل في المطلق، بدلا من الاقتصار على التريض وتصيد السوانح النفسية والروحية الصرف.. لذا جاءت تعاليم النورسي في جملتها وتفاصيلها تعاليم توحيدية، ذلك لأنه ارتكز في بلورة رؤاه اليقينية على المرتكز العقلي، وجعل الإيمان حجر الزاوية في كل تقرير معرفي أصَّلَهُ، وجعل روح القرآن هي الأساس الذي تقوم عليه معرفته الإيمانية.. من هنا كانت روح التوحيد حاضرة في كل موقف تأملي، أو استجلائي، أو استشرافي، أو تعليمي، أو استرجاعي، أو تسبيحي، أو بوحي، أو تواجدي، يصدر عنه ..

لقد انتهى النورسي بإيمانه إلى درجة أيقن فيها أن الحياة جسر، وأن عبور الانسان لهذا الجسر مرحلي، وأن الانسان لا يتجشم في تجربة الحياة القصيرة إلا عناء يعمق فيه حال النقص والتآكل، وأن النتيجة التي يراهن عليها العبد في الأخير، تظل بطبيعتها الغيبية نتيجة غير مضمونة.. ولذا، فما على الانسان إزاء ذلك كله إلا أن يديم الحمد والمعبودية، وأن يوثق في قلبه الشعور بأن كل ما يملك وما يكسب - بما في ذلك آلة الجسد- إن هو إلا عارية مصيرها الرجوع إلى بارئها الذي ستقف أمامه حاملة كتابها بما قدمت:".. ليس لك منك إلا النقصان والقصور، إذ بسوء اختيارك تُغَيِّرُ صورة فيض الكمال المفاض عليك.. وبأن الجسد الذي هو منزلك، عارية وأمانة وأنت مسافر، ومحاسنك هذه موهوبة، وسيئاتك مكسوبة لك، فلابد أن تقول: له الملك وله الحمد." (1)ذلك لأن النورسي قد سلَّم بأن خلو النفس من الإيمان سيفاقم من عناء تجربة الحياة، وسيجعل منها تجربة عقيمة من غير طائل:

(1) المثنوي العربي النوري ص 127.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٢٧