تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد فاض معين حبوره القلبي الذي طفحت به رسائله، نتيجة تأجج النشوة الروحية والفكرية التي كانت تصاحب أحوال الاستبصار الذي لازمه والذي اتخذه سبيلا تعبديا يكفل لروحه اليقظة والمداومة..

استبصار ما فتئ يطابق في ضوئه بين المشاهدات الكونية والحسية وما يستجليه منها عقله، وبين الحقائق القرآنية كما قررها الله في محكم تنزيله..

لقد كان عقله برهانيا، إذ كان دائم التمحيص للمعطى القرآني، ومقابلة إفضاءاته الصريحة والضمنية بالظاهرة الكونية و بالحقائق النفسية و العقلية التي ترسو عليها إنسانية الانسان..

لقد اكتسب النورسي قابلية إثباتية لم يعد يعجزها قط أن ترى وجه الايمان من خلال مطابقة المعطى القرآني على المظهر الكوني أو الطبيعي أو الابتداعي..

ذلك أن النورسي يرى أن عقيدة التوحيد تظل ناقصة وغير ذات نفاذ روحي تستمد منه النفْسُ استنارتها وطمأنينتها، ما ظلت تلك العقيدة تقليدية، توارثية .. فالتوحيد يكتسب توهجه ودافقيته وامتلاءه متى قام على وازع عقلي، تأملي، أي متى كان من اكتشافات الذات ..

من هنا كان الطريق إلى الله يستضاء بالإيمان المبني على القناعة القلبية والرشاد العقلي، ومن هنا أيضا كان السير في ذلك الطريق يكتسب عنفوانه اليقيني متى ما تأسس ذلك الإيمان عن بحث تنقشع له سحُب الجهل بالتنقيب العقلي والتحسس القلبي والتقريب الإدراكي، ومتى ما تسلقت النفس سلم المعرفة الروحية بجهدها الذاتي، وبتطلعها الاستبصاري، التدبري..

فخلوص التوحيد - في رأي النورسي - لا يكون إلا بتجاوز نهج التقليد حيث يكتفي المرء بأن يرث قيم عقيدته ويتلقاها بالدروج والتبعية الساذجة، والخالية من المراس الكشفي الروحي الذاتي :

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٢٥