تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إن هارمونية الأشياء لتبهر حس وعقل كل من تتيح له قابليته التمييزية أن يدرك التناغم بين معطيات الكون- ماثِلهِا وخفيِّها- وبين ما يستبطن النفس البشرية من نوازع وكوامن ..

ذلك أنه حتى الظواهر المجردة مثل ظاهرة الزمن الذي يعد من أهم الشرائط الوجودية الدالة على قدرة الله - تترك من خلال دوراتها وتلاحق وتائرها- الصدى الذي يظل به الماضي - الوعي المتصرم - عاملا شاخصا وفاعلا في حركة الحاضر والراهن..

كما أن نتائج تلك الوتائر الزمنية المتعاقبة تظل معلقة في تواصلها وديناميتها باللامرئي وبالمُغَيَّبِ الذي لم يحن تَبَلُّجُهُ بعدُ .. من هنا فإن حركة الزمن - شأنها شأن سائر الظواهر المدركة وغير المدركة - تبقى في تِدآبها الوطيد - محكومة بوعي كلي، تدبيري، لا يغفل المراحل المستهلكة، ولا تلك التي تنتظر أجَلَ انبثاقها في رحم الغيب..

من هنا نتبين – كما يرى النورسي - تناغمية الكون ببعده الحسي والمجرد، إنها تناغمية منتظمة، تدور بآلية مبرأة من الاضطراب ومن عدم التناسق ..

فهي إذن آلية مضبوطة بقيم فائقة الدقة والانتظام والشمول ..

فهي – حتما - خاضعة لإدارة عليا مسيطرة، ولمرجعية كلية تدير بقبضتها قانون الحياة والكون، تنتظمه وفق مشيئتها المنزهة عن السيبة والاعتباط، والبعيدة عن منطق الصدفة والتلقائية والنزوانية.. إذ لا مجال للإعتباط في هذا الوجود..

التوحيد ومعرفة الخالق البارئ

معرفة الله الحقة فتح ذاتي، لذلك كان منطلقها الجهل والمجهولية

لقد صدر النورسي في اِدراكه لحقيقة هذا الوجود، من معرفة قبلية زمامها الوحي، واتخذ من العقل ومن التجربة والمكاسب الاختبارية مناط برهان على صدق تلك المعرفة السبقية، وذلك ما استرسلت رسائله وأعماله الفكرية تثبته وتؤكده على مدار عقود من الجهاد..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٢٤