ذلك لأن كثيرا من المقررات المتداولة في حقل التفسير لم ينطلق أصحابها من قاعدة تستوثق لاستقراءاتها وتتحرى المرامي النصية من خلال التوسل إلى الحقيقة بما يقود إلى استجلائها، ولكنهم عالجوها فقط عن طريق الحدس الظني أو السماع أو ما تردده الإذهان بفعل المثاقفة والتمازج مع معارف الآخرين، تلك المعارف التي لا تسلم – ضرورة -من آثار الأسطورة والتصورات الخيالية..
إن هذا الواقع المشوب هو ما دفع النورسي إلى تكرار تحذيره الناس من مغبة الانصياع الكلي إلى ما تحتويه كثير من المجاميع التفسيرية، إذ أن اجتهاداتها متفاوتة بتفاوت عقول أصحابها، وهو ما يجعل النتائج نفسها مختلفة، فإذا اتسم بعضها بالحصافة والاستنارة، فإن بعضها الآخر لا بد وأنه جاء على غير ذلك المستوى..
وفي هذا الصدد، يقرر النورسي أن مناط هذا التفاوت العقلي الذي تجسده آثار علمائنا في حقل التفسير والتأويل أمر طبيعي، ولا ينم إلا عن حقيقة التسيب التي عرفتها منظومة العلوم، والعلوم الشرعية في مقدمتها، وذلك حين تدخل في تعاطيها من لا أهلية له، أو من كانت كفاءته العلمية والذهنية لا تكفل له حق تعاطي الاجتهاد والتخريج الشرعي..
إذ هناك قانون إلهي، فطري، توزعت بمقتضاه الحظوظ والاستعدادات بين الناس، وفي ضوء ذلك تهيأ الأفراد للوظائف والأعمال، وبناءا على ذلك بات الاجتهاد من شأن أهل القابلية والكفاءة العلمية والنبوغ الذهني القادرين على الاستنباط والاستبصار، والمؤهلين لرؤية المستويات المختلفة التي يحفل بها الموقف القرآني أو سياق الآية أو الحديث ..