ثم يتطرق بعد هذا إلى مدارسة المستوى الشكلي لنص الخبر، وذلك من خلال تسجيل رأيه حول الصيغ المختلفة التي ورد عليها هذا الخبر، فقد جاء في صيغة أن الأرض محمولة على الحوت، وجاء في صيغة أخرى أخرى أنها محمولة على الثور..ويبين أن تعدد الصيغة هنا لا يتضمن - حسبه- إلا ترجيحا للجانب الفلكي، وهو ما توعز به تلك التسميات..
على أن ما نفيده نحن من تتبعنا لهذا الطرح التأويلي، أن النورسي ظل في جانب من اهتماماته التراثية يقتحم المسائل ذات الإُشكال التأويلي في تراثنا، وظل يعالجها بذهنية حصيفة، غير خرافية، وبعقلية لا تماشي الوهم .. ولا تتردد في الإيعاز إلى القارئ المسلم بشيء مما يخدمه واقعيا وروحيا..
ومن غير شك فإن النورسي حين يلتفت في استقرائه لهذا الخبر إلى الحديث عن الدولة والمدنية، وعن المعرفة والصناعة والتجارة، أو عن العلم والعمل ،(....) فإنما يريد أن يثمر الخبر لفائدة المسلم، وأن يحيل دلالته إلى ما ينفع هذا المسلم ويدفع به في طريق الفلاح الدنيوي والأخروي..
والجدير بالذكر أن النورسي قد تتبع بهذه الروح التمحيصية، الترشيدية، مواضيع اشكالية عديدة، منها موضوع (ذو القرنين )، و(ياجوج وماجوج) كما رأينا سابقا ،,وغيرها من المسائل الخبرية المستغلقة .. وقد تأولها مقرًّا بحقيقتها، مقررًا أن العلم بوجود شيء ما، غير العلم بماهيته وكيفيته.. متناولا قضايا تقف في طريق المتأول وتحيد به أحيانا، ومنها الإشكال اللغوي البلاغي، ومستويات الدلالة المرتبطة بالحقيقة وبالمجاز، وأبرز الحاجة الأكيدة للمتأول في أن يكون على مكنة لغوية واقتدار بياني، حتى يتسنى له النفاذ إلى ماوراء سطح الدلالة ..