فحتى لو كان هذا الخبر متواترا وقطعي المتن، فهو ليس بقطع الدلالة .. ومما لا شك فيه أن النورسي قصد بقوله " قطعي المتن وليس بقطعي الدلالة " الانفتاح المعنوي الذي ينبغي أن يتسدد نحوه معنى النص المتواتر على أيدي أهل الاستنارة من المتأولين، بعيدا عن التوهمات السطحية والخرافية التي تسيء للشريعة، والتي يتوهم البعض أن ما تواتر من تأويل مأثور قد قطع بها، وأنه لا حق للخلف في التحول عما تقرر، ولو شابته ظلال الخرافة واللا معقولية..
وهو ما سيتولى معالجته النورسي، إذ سيشرع في قراءة دلالة النص وتصحيحها من وجوه ثلاثة أيضا..
ومما يقوله في الوجه الأول :
"فكما أن حملة العرش المسماة بـ" الثور، النسر، الانسان" وغيرهم ملائكة، كذلك هذا الثور والحوت ملكان إثنان حاملان للأرض، وإلا فإن تحميل العرش العظيم على الملائكة، بينما الأرض على ثور عاجز – كالأرض- مناف لنظام العالم.."
ويقول في الوجه الثاني :
"إن الثور هو المثير للحرث وأهم واسطة لزراعة الأرض وعمارتها، أما الحوت (السمك) فهو مصدر عيش أهل السواحل، بل كثير من الناس. فإذا سأل أحد بم تقوم الدولة ؟ فالجواب : على السيف والقلم . أو إذا سأل بم تقوم المدنية ؟ فالجواب : على المعرفة والصناعة والتجارة . أو إذا سأل : بم تدوم البشرية وتبقى ؟ فالجواب : بالعلم والعمل. ثم يستنتج النورسي من هذا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكون قد أجاب إيعازا - من خلال هذا الخبر- بما من شأنه أن يرشد الإنسان إلى أسباب البقاء وتعمير الأرض، وذلك حين أوعز إلى موارد الرزق فيها: الزراعية والبحرية.."
أما الوجه الثالث فيقرؤه على النحو التالي:
أن الثور والحوت برجان مقدران في مدار الأرض السنوي، فتلك البروج وإن كانت افتراضية .. إلا أن السنن الإلهية ..قد تمركزت في تلك البروج"(1)
(1) صيقل الإسلام ص 74.