بل أكاد أزعم أن هذا التأويل الاستقرائي القريب من الواقع التاريخي لعهده،، إنما كان وجها من الترخيص الإجتهادي الذي رأى النورسي أن يؤهب به أمته التي كانت الأسياف تنهال عليها بَِيدِ العدو وبأيدي الأبناء المارقين كذلك.. يفعل ذلك في موقف كانت الدعوة الترشيدية مغيبة، بسبب المحاصرة التي أحكمتها دوائر الجور من حول المتنورين وما أقلهم، وبسبب الوعي العديم والجهالة المطبقة، والشعور المهزوم.. فكان من ثمة في اختيار تلك الأحاديث ما يهيئ للداعية أن يقول استطرادا ما لا يستطيع أن يقوله غاية، كما أنه كان له في الإلتفات إلى ما يقع من الحوادث في المحيط الدولي القريب من تركيا، وأمام النظر، ما يُهَوِّنُ له أن يحرك من جماد أمة كانت ماضية في سباتها، محمولة بأيدي جلاديها، نحو حتفها المعنوي ..
وفي سياق تأويله ذاك، نجد النورسي يستطرد ملاحظا أن الفكر الاشتراكي تولد في الثورة الفرنسية وترعرع في كنف دعوتها إلى التحرر، ولما كان هذا الفكر يدعو إلى تدمير قسم من المقدسات فقد انقلب أخيرا ليأخذ صورته البلشفية الشيوعية، وقد نشرت البلشفية أيضا بذور الإفساد لتحطيم كثير من المقدسات والمثل الأخلاقية والانسانية، وستُثْمِر تلك البذور حتما حناظل العقيدة الفوضوية والإرهاب التي لا تعرف حدودا ولا تقيم لقيمة وزنا ..
ويخلص بعد هذا الاستطراد إلى القول إن " أخصب مرتع للفكر الفوضوي الارهابي هو الأماكن المزدحمة بالمظلومين والقبائل البعيدة عن الحضارة وعن الحكومة والدولة، والتي اعتادت النهب والإغارة، فهذه الشروط تنطبق على قبائل المانجور والمغول...." (1)
وإنه لاستخلاص موضوعي انتهي إليه النورسي، إذ ربط مظاهر الثورة الهدمية والتدمير الاجتماعي والمدني بمجتمعات الخصاصة والتوحش ومن يستشعرون الظلم وتتغذى نفوسهم باستمرار على مشاعر النقمة والاضطغان وحب الفتك..
(1) الشعاعات ص117