لقد أصل النورسي منظومة معتبرة أناط الجهد فيها بتحقيق توعية الأمة وتبصيرها بما كان الأبالسة يحيكونه لها من ويلات..
لقد كانت قراءته لهذا المستوى من الآثار الدينية وجها يندرج ضمن روح الجهاد التي انبرى بها للفساد والردة ..
كما أن هذا الوجه من القراءة والتأويل قد كشف الاستراتيجية التأويلية التي تبناها، كموقف فكري ملتزم، ومتصد للعدوان..
وربما يندرج ضمن نطاق هذه المنظومة تأَوُّ لُهُ الملهم لحديث السفياني .. لقد تتبع جزئيات هذا الأثر، واستقرأ منها بكل لبابة خصائص حدد بها تعيينات بشرية كان دورها التغريبي رئيسيا في ما عرفته أحوال تركيا ما بعد الخلافة..
فقد ورد في الأثر : أن السفياني من أشخاص آخر الزمان ستنخرق كفه..
ووجدنا النورسي يخرِّجُ معنى هذا الحديث بقوله : إن أحد أوجه التأويل لهذا الحديث والله أعلم :
لا يبقى المال في يده، لكثرة إسرافه وتبذيره في السفاهة واللهو والعبث. فالمال يجري في كفه إلى الإسراف.
ولكي يسوغ النورسي ما ذهب إليه، رأيناه يستدعي السند التدليلي من خلال إيراده لغة الأمثال اِضاءة لمعنى الحديث . يقول :
وفي المثل : فلان منخرق الكف، أي مبذر، مسرف. ثم يخلص إلى تقرير النتيجة، وهي أن ".. السفياني بحضه الناس على الإسراف، يثير فيهم حرصا شديدا ويهيج طمعا غالبا، فيسخرهم لمآربه من نواحي ضعفهم تلك..".(1)
وواضح أن النورسي قد تخطى منذ البدء - وهو يتأول هذا النص المقدس - مأزق التفكير الأحدي، إذ قرر أن للحديث احتمالات شتى، رأى أن أرجحها هو ما فسره به..
من هنا تبدو مرونة النورسي الفكرية ورؤيته القويمة التي لا تجزم بأمر إلا بعد استقراء عقلي متثبت لتلك التقريرات الدينية المقدسة التي جاءت خبريتها عامة لا تهم الفرد بقدر ما تهم الأمة، ولا تقتصر إفادتها على تعيين إشكال عصر بعينه، ولكنها تنفتح على الإيماءة إلى إشكالات لا تخلو منها كثير من العصور والمراحل..
(1) الشعاعات ص110