ولا غرو أن يستغرق أعمالَه الفكريةَ في جملتها وازعُ التدبرِ واستنطاقِ الكتابِ المبين والسنةِ الشريفة.. ولا غرو كذلك أن تشغله أحوال الأمة والخطوب الفاجعة التي كانت تتلاحق عليها في تلك المرحلة.. وأن يلازمه التفكير في راهنها وقابلها انطلاقا من منظور كتابها المحكم..
لقد كان النورسي بملازمته القرآن العظيم يجد السلوى والترشيد اللذين كفلا له أن ينهض بمهمة الاستنقاذ والإغاثة التي كانت الأمة المسلمة في مسيس الحاجة إليها..
من هنا جاءت آثار النورسي كتابا مفتوحا على واقع أمته، وقراءة لسيرورتها غير الموفقة، والتي آلت بها إلى الدمار الروحي المريع بعد أن خرجت عن سكة الكتاب والسنة..
بل لقد طفق النورسي يستقرئ تلك الأوضاع المتزلزلة من فحوى الأثر الديني على وجه الخصوص، ويستبين في ضوئها القرائن الكاشفة لما كان يطفو على السطح من طحالب الردة والنكوص التي أفرزتها مرحلته، وكل ذلك كان تأهيبا للأمة - من جهة - حتى لا تسلم المقادة لجزاريها من دون مقاومة، ومن جهة أخرى فإنه كان يتوخى بث ضرب من التطمين المُقَوِّي للروحية، والذي من شأنه أن يصور للأمة تلك الأحداث والنكسات المميتة على أنها أمر عارض، وداءٌ داهم، وأن صفة التداوي منه قد بينتها التوقعات النبوية المُرَشَّدَة، وهي الاعتصام بالقرآن العظيم والتدرع بتوجيهاته العلوية في بناء الاستراتيجية المخلِّصة من كابوس الغلبة والاندحار..
التأويل نافذة على قراءة الواقع
لقد راح النورسي عبر مواطن كثيرة من أثاره يتتبع هذا اللون العلاجي، الإيقاظي، المستند على فاعلية القراءة المتدبرة والتخريج المبين للنصوص الشرعية، إجلاء لحقائق تضمنتها الآثار القدسية، ووجد النورسي في تبيان حقائقها جانبا مهما من متطلبات العلاج المكثف الذي كان يقتضيه وضع الأمة المتفاقم..