إن موقف التنويه بمبتكرات العقل الإنساني التي كان الغرب يتبجح بها ويجور، وإرجاعها إلى أصلها وعلتها - وهي الله – لهو في الواقع ضرب من إعادة التمليك يقوم به النورسي لصالح الأمة .. بكل ما يُحدث ذلك الفعل الترشيدي من آثار إيجابية على المعنويات العامة لفئات تلك الأمة ..
لقد كان النورسي يبث وعيا تخليصيا، مفاده أن العقل الانساني - بتلك المبتكرات المادية المبهرة - لم يستحصل إلا ما شاء الله له أن يستحصل، فلا امتياز ولا مزايدة على البشرية وعلى تساويها في الخصائص، وإن عملت المراحل على احداث التفاوت بينها..
فسنة التداول على المقدمة ماضية في الورى بلا إخلاف، وهو ما يثبت التساوي الطبيعي المبدئي بين بني البشر.. ولما كانت قابلية الإيمان الروحي السماوي أقرب إلى نفوس المسلمين، بفضل إحساسهم بأن أمر الانسانية يعنيهم - باعتبارهم الأمة التي تَتَوَجَّتْ بكتابها رسائلُ السماء إلى الارض - فإن تلك التقريرات الإيمانية والتوحيدية، والرابطة بين المنجزات والتطور الحضاري وبين الله وتوفيقاته وأفضاله على العباد، كانت تحدث فعلا تنفيسيا وانعاشيا، يخالج روح الأمة ويبعث فيها شيئا من التماسك، ومن التفاؤل والأمل بأن لها هي أيضا قابلية الفعل، وأنها تملك الحظوظ التي ستكفل لها السبق..
لقد كان النورسي يدرك تلك الآثار الإيجابية التي تحدثها تعاليمه الترشيدية وبيداغوجيته التي تعيد في كل تحليل نصاب القوة والتفوق إلى الله، وليس إلى الأعراق والقوميات.. فلذلك دأب النورسي على تبيين الحقائق للأمة، خاصة وأن احتدام الوهج الإيماني التوحيدي في جوانحه كان يزكي من قيمة تلك الحقائق ولا يفتأ يبرهن ويحاجج على ألوهيتها ..
من هنا كان النورسي يحرص على الربط بين أوضاع اعتلال الأمة وبُعْدِها عن تحكيم النصوص الدينية في أوضاعها، وبين حال تخلفها وصغارها المدني الطارئ..