لقد كانت رياح المروق تعصف بالأمم، وكانت تسعف ذوي الأفئدة الخاوية حوادثٌ ومعطياتٌ مدنيةٌ وحضاريةٌ تعزز لديهم نوازع الجحود.. كما أن وطأة الانبهار، لاسيما من قبل فئات مسلمة كانت الخصاصة والجهالة تسحقها، قد جعلت النورسي يتسلح باليقظة للاعتراض على ما يفاقم من تلك الأحوال الشعورية النكوصية العامة التي كانت تترك الأثر السيء على النفوس، وتهيئها للانتحار المعنوي، أو تجعلها قاب قوسين أو أدنى من الافتتان، وكل ذلك كان النورسي يبادر إلى تبديده، وكان عليه ليكون فعالا، أن يتمرس ببيداغوجية مجدية، إذ أن أساليب الإغواء كانت من الخطورة والنفاذ بحيث لا يمكن للمساعي الاعتراضية أن تؤدي وظيفتها الحمائية مالم تكن على مستوى من النجاعة والتمهر..
ولقد كان من جملة ما اهتدت إليه قناعة النورسي التحصينية، أن يضع في مركز اهتمامه تلك المعطيات العلمية والإنجازية التي كانت بعض ما يتذرع به الغرب المارق لتضليل الشعوب المستضعفة وعزلها عن روحيتها، وكان عليه أن يتدبر أمر تلك المنجزات بكامل المعقولية والتبصر، وأن يربط بين مظاهر القوة والتوفيق التي تجسدها تلك المكاسب وبين العظمة الخارقة لله الذي جهز الانسان وكفل له من الرسائل والمحفزات ما يسر عليه أن يحقق ما حقق في مضمار التجهيز ومغالبة الضعف البشري ..
إنه نوع من الاحتياز، أو هي - بالاحرى - حال من الاسترجاع والتملك كان النورسي يهيئها للأمة عندما يقرر لها أن التوفيق الإلهي هو الذي مكن الغرب الغالب من أن يتخطى عتبة البدائية، وأن في مكنة الأمة المسلمة إذا ما وطنت صلتها بالله وبقرآنه أن تتوفق هي الأخرى إلى حيازة السبق في مضمار المنجزات العلمية والتقنية ..
لقد كان النورسي يُعَدِّلُ من مَيْلِ الأمة ويُرَشِّدُها في هذا الاتجاه، من منطلق إنساني مسدد بتعاليم الله التي لا عرقية فيها ولا تغطرس ..