فالدلالة القدسية دلالة مُشْرَّعَةٌ في وجه التحولات والأزمنة المتلاحقة، وهي تستوعب الطوارئ ولا تستوعبها الطوارئ .. من هنا تكررت نداءات العلماء المسلمين النيرين منذ العهد الإسلامي الأول بالدعوة إلى تثوير النصوص، فقد وجدنا الصحابي ابن مسعود مثلا ينصح قائلا: من شاء أن يجد علوم الدنيا والآخرة فليثوِّر القرآن ..أو كما قال .. ولم يكن عمل ابن عباس إلا وجها اجتهاديا أرهص به ذلك العهد الاسلامي الغض لما ينبغي أن تكون عليه قراءة القرآن من تثمير جريء لمعارف العصر في فهم الدلالة القرآنية وتحكيم النص القرآني في تحصيف تلك المعارف، لا العكس.. وعلى ذات الدرب سارت تأويلية عمر (رضي الله عنه)، فقد زاوجت في تَمَثُّلِهَا للموقف القرآني بين الوجه العملي، الإجرائي، بحكم مركز الإمرة الذي كان يحتله على رأس المسلمين، وبين الوجه النظري ،الفكري.. تماما كما كان عليه شأن علي (رضي الله عنه) وغيره من الخلفاء
.. فالدعوة إلى سبر جوهر القرآن والنفاذ إلى أغواره واستخراج الأحكام والدرر من بواطنه الثرة التي لا تغيض، إن هذه الدعوة التثميرية للقرآن ظلت تتردد عبر العصور، لا سيما على ألسنة الفذاذات التي كانت تستشرف بقريحتها وسداد بصيرتها ما يحوزه القرآن العظيم من كنوز من شأنها إذا ما استغلت، أن تحقق للأمة كل أسباب العزة والنهوض..
وحين يقرأ النورسي في الشواهد القدسية أمارات واقع عصره وكشوفه ومنجزاته الفنية، فلأنه كان يرى الطباقات قائمة بين ما يوعز به النص الشريف وبين وقائع الحياة من خلال ظواهرها ومكتسباتها، ثم لأنه - في رؤيته التي حرص على أن يدمج بها المعارف والمبتكرات ضمن دائرة التسليم - يريد للحكم القرآني أن يظل معيارا رؤيويا تتقوَّمُ في ضوئه الأشياء والأحداث والمواقف..
النورسي يتسلح باليقظة ويثمر التأويل في الرد على الكائدين