وبالأضافة إلى ذلك كان النورسي يستثير مستويات من ذلك الصنف الغيبي الذي استقرت له في الذهنية الشعبية المسلمة صورة لا تتناسب مع روح الاستنارة التي جاء القرآن يركزها في عقل المسلم وقلبه، حتى يكون عنصرا فاعلا لدنياه ودينه، كي يلقى ربه وهو عنه راض.. فأضفى عليها النورسي ثوبا جديدا سار بها وبحق صوب صعيد المعقولية والاستنارة..
التخريج والتأويل أو الاجتهاد وروح تحيين التراث وقلب الأوضاع بجرَّافات القرآن النورانية
مما يتميز به فكر النورسي التأويلي، انطباع ممارسته للتخريجات القرآنية أو النبوية بروح وثقافة عصره، إذ متحت اجتهادته التأويلية ليس فقط من معين التراث، ولكن من واقع الحضارة المعاصرة وفي ضوء ملابسات مرحلته التاريخية .. وهو منهج تعاطته القرائح عبر العصور، وربما رأى بعض المتحفظين في هذا التوجه خروجا بالنصوص عن سياقاتها، وتحميلها من الدلائل ما لا تحتمل، وتعريضها على ذلك النحو لمزلق التعسف والافتعال..
لكن الذي لا ريب فيه أن تحجير النص الديني، والاحتفاظ له بنظرة اجتهادية لاءمت عصراً ما، وصدرت عن ذهن تَحَرَّى السداد في ذلك الوجه الذي تأوله به متأول ما، لا يبرر أن تظل الدلالة المُنَزَّلَة حبيسة نظرة اجتهادية قد تكون عوارض الزمان حولت تلك الدلالة عن مراميها المرحلية تلك، إلى أفق جديد ارتبطت به مصلحة الأمة الدينية والدنيوية المستجدة ..