فالنورسي بمثل هذه الحالات الفكرية التي ظل يسجلها في تراثه، كان يتحول بالنقاش والفذلكات التي لا تسلم من مجانية وخواء في كثير من الآثار التفسيرية، إلى صعيد أرقى، ليعطي مثل تلك الفذلكات الإفادة التي تقتضيها المقاصد القرآنية، حيث لا يمكن أن تتنزل النصوص السماوية لتشد عقول الناس إلى مجالات جدلية شكلية، من قبيل تلك التي أودت بمدنيات وحضارات سبقت مدنية الاسلام.. ألم تشب النيران في أروقة النظام الروماني وساسته ينتصرون لآرائهم بخصوص أسبقية الدجاجة أو البيضة في الوجود..
ولم يتوقف النورسي عند هذا الحد التسديدي إزاء قضية أي المرفقين الكونيين أسبق أالسماء أم الأرض، ولكنه انعطف بها ليستعرض شيئا من المعرفة التي ظلت تكتنفها ومن مختلف المصادر..
" اعلم أن الحكمة العتيقة قائلة بأن السموات تسعة وتصورها أهلها بصورة عجيبة واستولى فكرهم على نوع البشر في أعصار . حتى اضطر كثير من المفسرين إلى إمالة ظواهر الآيات إلى مذهبهم .. وأما الحكمة الجديدة فقائلة بأن النجوم معلقة في الفضاء والخلو كأنها منكرة لوجود السماء، فكما أفرط أحدهما فرط الآخر، وأما الشريعة فحاكمة بأن الصانع جل جلاله خلق سبع سموات وجعل النجوم فيها كالسماك تسبح، والحديث يدل على أن السماء موج مكفوف ،وتحقيق هذا المذهب الحق في ست مقدمات .."
ثم يمضى النورسي يعدد هذه المقدمات، ومما جاء في بعضها :
" إن هذه الامارات تدل على تعدد السموات، والشارع الصادق قال هي سبعة فهي سبعة، على أن السبع والسبعين والسبع مائة في أساليب العرب لمعنى الكثرة .. ".(1)
كما أن النورسي يعرض لمسائل من قبيل جهنم، وتحديد مكانها، وهل هي معدة، أم أنها لم تخلق بعد؟.. فقد عقب على قوله تعالى: ( أعدت للكافرين )
(1) إشارات الإعجاز.ص226