" والذي يبين الحد الأوسط ويحد من الإفراط والتفريط، إنما هو فلسفة الشريعة مع البلاغة، والحكمة مع المنطق ..".(1)
ويبرهن على رجاحة هذا الرأي الوسطي، فيقول :
" نعم أقول: الحكمة ( الفلسفة ) لأنها خير كثير مع تضمنها الشر، إلا أنه شر جزئي، ومن الأصول المسلمة أنه يلزم اختيار أهون الشرين، إذ ترك ما فيه خير كثير لأجل شر جزئي فيه، يعني القيام بشر كثير." (2)
ولما كان الخطاب القرآني ظاهرة جمالية راسخة، فقد كان على بيانه أن يتأصل وأن يتسامى ببلاغته على سائر ما درجت عليه الخطب من شعرية ونظم.. وهو ما أعطى المجاز القرآني امتيازه النوعي الذي توطد به سحر الإعجاز..
من هنا كان لزاما على المتأول للنص القرآني أن يدرك كُنْهَ الفنية المجازية القرآنية، فقد كانت تعبيريتها تقوم على التصوير والتشخيص العاليين.. فلقد تأول المغرضون المجاز القرآني على وجه مادي سعيا منهم إلى أن يضاهوا بين المعطى الإنجيلي المبني على التشخيص والتعددية التي صيغت فيها صورة الإله (سبحانه وتعالى )، وبين المحتوى القرآني الصارم في تنزيهيته، والحاسم في إعلائيته التي تتسامى عن أن تجعل لله الشبيه والولد..
ومن جهة أخرى فقد نتج عن سوء فهم طبيعة المجاز القرآني - من حيث هو خاصية لسانية يَعْتَدُّ بها الخطاب العربي البليغ - وعن الكيفية الحرفية التي قرأته بها طوائف من المتأولين، تخريج سلبي أضر بالحقيقة القرآنية وأضفى عليها طابعا خرافيا، تحول بالأذهان بعيدا عن صعيد الصمدية والتعالي الجديرين بالألوهية .. من هنا ألفينا المتنورين المسلمين في كل عصر تقريبا يركزون على أهمية فهم البيان القرآني الفهم الإيجابي، واستيعاب قيمه المجازية على نحو سليم يتناسب مع المقاصد الروحية للعقيدة الاسلامية..
(1) م.ن. ص 41
(2) صيقل الإسلام ص .41.