لقد بنى النورسي نظريته التفسيرية انطلاقا من فهم تراثي لروح اللغة - بوصفها حقيقية ومجازا - ومن وعي حاد، وواقعي، لدور المفسر، ولما ينبغي أن تنهض به عملية الاستنباط المعنوي التي تعالج بها النصوص، من وظيفة تنويرية تجدد فهم المسلمين للواقع وتسير بهم في طريق تكريس إرادتهم التي هي من إرادة الله، والتي مدارها الصلاح والإصلاح ..
من هنا ظل النورسي يؤكد قابلية المعنى القرآني التي لا تحد من حيث قدرتها على إلهام القلوب والعقول من ثراء معينها الغزير ..
ومن هنا أيضا كانت نظرة النورسي تحدد للمعنى القرآني مواصفات خاصة نابعة من طبيعته الشرعية وسجاياه العلوية :
" يجب أن يكون للمعنى الحقيقي ختم خاص وعلامة واضحة متميزة . والمشخص لتلك العلامة هو الحسن المجرد الناشئ من موازنة مقاصد الشريعة".(1)
المجاز وجه بياني قرآني، وتأوله يقتضي أن يتم على وفق السنن البلاغي العربي
ولما كان المعنى تتراوحه صيغتا الحقيقة والمجاز، فقد أبرز النورسي الكيفية التي يفهم بها الخطاب، ومتى يكون ذلك الخطاب حقيقة ومتى يكون مجازا، فيقول :
" أما جواز المجاز فيجب أن يكون على وفق شروط البلاغة وقواعدها، وإلا فرؤية المجاز حقيقة والحقيقة مجازا، أو اِراءتهما هكذا، إِمدادٌ لسيطرة الجهل ليس إلا..".(2)
وفي هذا السياق يحذر النورسي من مغبة التفريط والإفراط التي يتأول بها بعض المفسرين الآي القرآنية أو الأحاديث النبوية، فيقول :
"إن ميل التفريط من شأنه حمل كل شيء على الظاهر، حتى لينتهي الأمر تدريجيا إلى نشوء مذهب الظاهرية مع الأسف، وإن حب الإفراط من شأنه النظر إلى كل شيء بنظر المجاز حتى لينتهي الأمر تدريجيا إلى نشوء مذهب الباطنية الباطل، فكما أن الأول مضر، فالثاني أكثر ضررا منه بدرجات".(3)
ويبين النورسي-بعد هذا– طبيعة المسطرة التي على المتأول أن يستهدي بها فيقول:
(1) صيقل الإسلام ص 41
(2) ن.م. ص41
(3) م.ن. ص 41