وواضح أن النورسي يزيل الإشكال الذي قد يقوم في الأذهان إزاء مواقف المراجعة أو التراجع التي سجلتها سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إزاء حوادث ما.. فالمسلم لا يرى في ما يصدر عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم -إ لا وحيا وإلهاما وتسديدا إلهيا لا يرد، متناسين جانب البشرية في شخصه - صلى الله عليه وسلم -، وأنه كان إلى جانب الاضطلاع بمأمورية تبليغ الوحي التي كانت حالا استقبالية تخرج عن إرادته، كان هناك الجانب الإنسي الذي لا يختلف فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -عن غيره من عباد الله .. وهو ما جعل شيئا من آرائه - صلى الله عليه وسلم - يندرج ضمن الرؤية البشرية العادية.. وذلك ما أكده - صلى الله عليه وسلم - بتصريحاته في عدة مواقف، لعل أشهرها ذاك الذي أعلن فيه للصحابة الكرام قائلا : أنتم أدرى بشؤون دنياكم..
في ضوء هذه الحقيقة، رأى النورسي أن هناك مستوى من أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتصريحاته، صدرت فيها الرؤية صدورا بشريا، إذ أن رؤية الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت حال صدور تلك الأقول عنه، رؤية الإنسان العادي.. من هنا اتسع لنا نحن الخلف المجال إزاء إدراكها على النحو الذي ينبغي أن تدرك عليه ..
وذاك هو ما قصد إليه النورسي حين تحدث عن صلة القارئ بمادة النصوص المقدسة وبتفاصيلها، إذ قال : وهكذا لا ينظر ( القارئ أو المستنبط ) إلى جميع تفاصيل كل حديث شريف بمنظار الوحي المحض، ولا يتحرى عن الآثار السامية للرسالة في معاملاته - صلى الله عليه وسلم - وأفكاره التي تجري بمقتضيات البشرية .
ثم يبين النورسي البعد التأويلي الذي قد يقتضيه الخطاب الموحى به، فيقول : وحيث أن بعض الحوادث يوحى إليه (بها ) وحيا مجملا ومطلقا، وهو بدوره يصوره بفراسته الشخصية أو بحسب نظر العرف العام، لذا يلزم أحيانا التفسير وربما التعبير لهذه المتشابهات والمشكلات التي ينطوي عليها ذلك التصوير.