تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالكلام يبنى على أسس إفصاحية تنتج له طاقته وتضفي عليه السلاسة والحلاوة :

" اِعلم أن سلاسة الكلام المنتجة للطافته وحلوه هو أن تكون المعاني والحسيات المندمجة فيه ممتزجة تتحد أو مختلفة تنتظم لئلا تتشرب الجوانب قوة الافادة والغرض، بل يجذب المركز القوة من الاطراف، وأيضا من السلاسة أن يتعين المقصد .. وأيضا منه أن يتظاهر ملتقي الأغراض ". (1)

فأعلى مراتب البلاغة هي التي يحافظ فيها المتكلم ويراعي نسب قيود الكلام وروابط الكلمات وموزانة الجمل بحيث يُظْهِرُ كلٌّ مع الآخر نقشا متسلسلا إلى النقش الأعظم، حتى كأن المتكلم استخدم عقولا إلى عقله". (2)

لقد تلاقى النورسي في نظرته إلى العملية الابداعية الخطابية مع جمهرة الاعجازيين، وجعل سند الخطاب وصنعته قاسما مشتركا بين الباث والمتلقي، وأناط بالباث مسؤولية النفاذ إلى أعمق درجات الفطنة والاقتدار بحيث يتسنى له تلبية حاجة السامع.. هذا السامع الذي عليه – هو الآخر - مسؤولية خطيرة في فهم الرسالة الخطابية وإدراكها على وفق مقاصدها.. وهو ما يتطلب منه الإحاطة بنظام الخطاب والأخذ باللطائف والحسيات المندمجة فيه، والتي قد لا ينطق بها النص، وإنما يوعز بها ويصدر عنها..

فالخطاب القرآني الذي بارى قول الفحول من العرب، قد صدر في معجزه البياني عن أعراف وقيم المخاطبين موضوع التحدي، وانتهى بأن قهرهم فنيا، دون أن يغفل أو يخرج قط عن اعتباراتهم البيانية و الجمالية والسليقية..

من هنا لزم قارئ القرآن ومفسره ومتأوله أن يحيط بالبيئة اللسانية وبالعرفية اللغوية والتوصيلية التي عايشت واقعة النزول، كي يتسنى له فهم المقاصد النصية القرآنية.

(1) م.ن. ص.124

(2) إشارات الإعجاز ص.124

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٧٧