بل إن النص إنما تتم هندسته على وفق قواعد المخاطبة المستحكمة في الحس الاستقبالي للأفراد والجماعات.. من هنا فإن إدراك تلك القواعد، أو ما يعرف تراثيا بالسنن، إنما يساعد كثيرا على معرفة المساند النفسية واللسانية التي يقتضيها الموقف التواصلي، وتتطلبها عملية الفهم والاستيعاب..
ذلك لأن النورسي وهو يتحدث عن الخطاب الجميل مطلقا، إنما كان يهدف إلى امتلاك المفاتيح التواصلية التي تؤسس لماهية و كُنْهِ الخطاب القرآني على اعتبار أن ذلك الخطاب قد بنى مرتكزات توصيله على أسس بلاغته وبيانه العربيين ..وأن فهمه تفسيرا وتأويلا إنما يقتضي فهم ومعرفة تلك اللوازم البيانية والسننية على النحو التام..
من هنا كان التفات النورسي إلى هذه المقومات الخطابية الجمالية والتشديد عليها، في ضوء القيم الفنية والنظمية التي تقوم عليها البلاغة، دون أن يغفل الإطار العام للصلة الذهنية والشعورية التي يترابط بها عادة، وتلقائيا، المتواصلان : أي الباث والمتلقي..
لقد عدَّ النورسي هذه الجوانب مجتمعة مرتكزا أساسيا لفهم المضمون القرآني وتفسيره، واستقراء أوجه من رسالته على نحو إيجابي وبناء وحصيف..
لقد قدَّرَ النورسي أن التوصيلية القرآنية المعجزة قد أستمسكت بمقومين تنهض عليهما البلاغة الراقية في كل خطاب، وهذان المقومان هما:
1- البعد التمثيلي الاستعاري الذي دأب الخطاب القرآني يرسي عليه حقائقه وتعاليمه.
2- البعد التقريبي، الكشفي، الذي نهضت به عدة التمثيل وتوصيل الحقائق السماوية إلى العقول، خاصة تلك العقول البسيطة والتي لم تزايلها حال الفطرة ..