ذلك لأنه خطاب السماء إلى الأرض، وهو لذلك أصَّل لإفضاءاته من الأسباب البيانية والدعامات البلاغية ما جعل المعطى القرآني يمثل أمام النفوس قريبا منها، ومدركا على نحو لا يُعْنِتُ السامعَ أو المتلقي، لتجاوز هذا الخطاب المبين الإعضالات البيانية والأدائية التي تَغْفِلُ المطلب العقلي السمح والاقتضاء الإدراكي الفطري الذي يجعل الأمي والمتعلم – على سواء – يتفاعلان مع أعمق الأفكار والرؤى في مجالات الكون والإنسان ومصائر الحضارات وعوالم الغيب والشهود، من دون أن يتجشما رهقا إزاء الدلالة القرآنية الجلية والمتعالية عن التفذلك المجاني أو التشدق الأخرق..
لقد رجح القرآن مقومات البلاغة العالية من أجل ضبط أدائية كلامية نبيلة لا تسف بالمعطى القولي، ولا تستغلق عنه.. بحيث عرض خطابه الكريم المناحي المجردة من خلال وسائط قولية كان التشبيه والتمثيل في مقدمة أدواتها البيانية..
وحتى يبين النورسي طبيعة هذا النهج الأدائي السامي، والميسر، الذي اتبعه القرآن العظيم في منظومة متْنِهِ، راح يستطرد كاشفا الارتكازات التي قامت عليها بلاغة القرآن من خلال تفحصه لشواهد قرآنية عرضت له وهو ماض في تفسير آيات من سورة البقرة..
الخطاب القرآني يفاعل مواجد المتلقي
لقد علق النورسي على قوله تعالى : (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا..)، فأشار إلى مستويات النظم التي لحمت الآية، ثم بين سر هذا التعقيب التمثيلي الذي ساقه الله في موقف كشفه لحقيقة المنافقين، هذا السر الذي بُنِيَ على الإيفاء بثلاث متطلبات توصيلية، تُسْتَكْمَلُ بها عملية التبليغ التي يريدها القرآن فاعلة ومغيِّرة للأوضاع البشرية، وهذه المتطلبات - كما يحصرها النورسي - هي :
1- تأنيس الخيال الذي هو أطوع للمتخيلات من المعقولات، وتأمين إطاعة الوهم الذي شأنه التشكيكات ومعارضة العقل وانقياده بإظهار الوحشي بصورة المأنوس، وتصوير الغائب بصورة الشاهد.