من هنا وجدنا النورسي يقرر " أن جمل القرآن لا تنحصر في معنى واحد، بل هي في حكم كلي يتضمن معاني لكل طبقة من طبقات البشرية، وذلك لكون القرآن الكريم خطابا موجها لعموم طبقات البشر، لذا فالمعاني المبينة هي في حكم جزئيات لتلك القاعدة الكلية، فيذكر كل مفسر وكل عارف بالله من ذلك المعنى الكلي شيئا، ويستند في تفسيره هذا إما إلى كشفياته أو إلى دليله أو إلى مشربه، فيرجح معنى من المعاني ..". (1)
ومن الواضح أن النورسي يسير في هذا السياق التفسيري على طريق السلف، فقد ظلت دلالة النص القرآني تتأسس في نظر الشراح والمتأولين من رجال السلف على أربعة مستويات، إذ لها ظاهر وباطن وحد ومطلع.. بل لقد رأيناهم يستوعبون ظاهرة الاعجاز بروح تلهج بخصائصها المبهرة، وتتواجد بمقوماتها البيانية جملة، فليس عندهم في فذاذة البيان القرآن عنصرا أدائيا – حتى النقطة والحرف - إلا وله حظ ثابت من البيان وإسهام في إحداث الأثر القدسي..
في هذا السبيل ذاته سار النورسي، وعلى هدي فطاحل التفسير المستنرين طرق، لكنه تميز عنهم بهذا التنويع التخريجي الذي استغرقه طيلة حياته، بحيث جاءت سائر أعماله منظومة تفسيرية للقرآن ..
الوحي وسَنَنُ التوصيل الإستئناسي النافذ
يرى النورسي أن فاعلية الخطاب القرآني قد تأصلت خصائصها التوصيلية العمومية بصورة جوهرية من خلال طبيعة النظم القرآني التصويرية التي تجنح إلى تخريج مضامينها تخريجا حسيا ملموسا.. إذ أن هذا الخطاب القدسي قد نأى – على نحو لا يمارى – بتبليغيته عن أن تغدو تبليغية طبقية أو فيئوية محدودة ..
(1) المكتوبات ص422.