تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كانت منزلة الصنف الأول من أهل الاصلاح هي منزلة المجتهد - بغض النظر عما أغَلَّ جهده من ثمار إجتهادية تخدم الأمة وتوسع من مداركها - فإن منزلة الصنف الثاني هي منزلة الواعظ الذي مطمحه أن يكرر ما تلقن من نصائح، كيفما كانت أهمية تلك النصائح وصلتها بالمرحلة التي يعيشها أو ينشط فيها ..

ومعلوم أن النص القرآني ظل يمثل حجر الزاوية في كل توجه اصلاحي وتجديدي، إذ غدا فهم الفحوى القرآني وتفسير دلالته، وتوجيهها نحو الوجهة النافذة والمعدلة للترتيبات المدنية المتحكمة في واقع الناس، والمثبتة لقناعاتهم .. تلك القناعات التي تنزع – عادة – بهم إلى الاستنامة والقعود عن تحقيق مزيد من التقدم وبلوغ منزلة الكمال التي رشح الله عباده إليها بالتزام الإيمان والعمل الصالح..

لذا أضحى التعديل الاجتماعي والاصلاحي ينطلق غالبا من تعديل السائد من المفاهيم، إما بإحياء قيم هذا السائد كما عاشها السلف الصالح من الأمة في عهد نضارة العقيدة ،وإما بإعطاء هذا السائد حظا من التسديد والترشيد ما يزكيه ويجعله أكثر ملاءمة لروح العقيدة ولمتطلبات الحياة الكريمة التي ينبغي أن يحياها المسلم، أينما كان وفي أي زمن كان ..

في هذا الإطار تندرج جهود النورسي الإصلاحية والتفسيرية، إذ هي جهود تركزت على المتن القرآني تستقرئه وتستوعبه وتقبس منه الأنوار التي طفقت تبدد الظلام من سماء الأمة..

التنزيل واحد، والتنزل متعدد

لقد صدر النورسي في تفسيره للقرآن عن اعتقاد يثبت للنص القرآني تعددية معنوية مؤكدة، تستكنهها بصيرة المفسر حسب ما يحيط به من أجواء ويستغرقه من اهتمامات.. فالدلالة السماوية لها تنزيلٌ واحدٌ، هو الذي نطق به سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولها أيضا تَنَزُّلٌ، وهو نتاج القراءات المتنوعة التي تستنبطها العقول المؤمنة عبر الزمان والمكان..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٦٩