تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك لأن النورسي أدرك أن تمثل الفعل السلوكي من خلال أحد هذين التصورين يسيء إلى تعاليم القرآن بشأن الكون، إذ أن وحدة الوجود تقف على منطق مضمر يعدم الموجودات ما عدا الله، في حين أن القرآن يؤكد وجود الكون والكائنات، إذ هي مبتدعات إلهية ماثلة ولها وظيفتها العينية أو الغيبية التي على المسلم أن يقر بها.. كما أن وحدة الشهود تنطوي على منزع إغفال الوجود، وإسدال ستار النسيان عليه - كما يقول النورسي - وذلك ما لا يتلاءم مع المنطق الإيماني الذي يدعو إلى التدبر في الموجودات والوعي بها، وبالتالي الاعتراف بكينونتها، وأنها امتداد ملموس أو محسوس لتجليات القدرة الإلهية المطلقة..

لقد رد النورسي المطمح السلوكي إلى الواقع التربوي والنفسي، وإلى روح السالك، وأناطه بنفسيته وبموقفه أو منهجه الذي يختاره تحصيلا لمرامه، وبلوغا لمقصده .. والنورسي إذ بطرح المسألة السلوكية على هذا الوجه، يكون قد أسهم في تقريب وعقلنة هذا النشاط الروحي الذي تتفتح عليه نفوس أهل الاستعداد والقابلية.. وهو بذلك يكون قد أدرج المعرفة السلوكية ضمن نطاق الملاحظة والتقويم، لاسيما في أطوارها الأولى، حين تكون بَعْدُ ارتياضا روحيا وتمرسا تلقينيا..وتجربة معرفية متجددة.

2- عوائق الطريق

ولما كان الطريق محفوفا بالمخاطر، كان حتما على السالك أن يحذر الزلق والسقوط .. فالنفس نزاعة للإغترار، وقد يتراءى لها أنها أدركت الحضرة وبلغت اللدنية، وقد يستبد بها شعور الظفر فتعرب عن نشوتها بغير ما يليق من انضباط في تلك المسيرة، ولا يسعها عندئذ إلا أن تسقط من مقام الشكر إلى موقع الفخر، متردية إلى الغرور .. وهو ما يتورط فيه كل سالك ذهل عن أن يلتزم بضبط النفس، إذ سرعان ما يجد نفسه وهو يعاين الأسرار الخفية ،أن ينجذب وراء الشطح، ويقع في الادعاء، فيضر بنفسه ويضر بغيره.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٥٤