تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالسير الأنفسي -كما يقرر النورسي - يبدأ من النفس ويتجه إلى الخارج، إذ يسعى فيه السالك إلى معانقة الحقيقة - التي يحضنها قلبه داخل جوانحه - واستجلاء معانيها في الآفاق والتجليات الكونية، من حيث كون تلك الآفاق والتجليات هي تجسيد للحقيقة الربانية وعلامة عليها.. فالسالك يرى أنوار الحقيقة المتلألئة بين جوانحه، تشع في الآفاق وتنعكس على الكائنات، وتتلون بألوانها وتتماهى بماهياتها، فلا يزداد القلب إلا تواجدا بها، وتذوقا لها..

فالسير الأنفسي يقتضي من السالك أن يفني نفسه في محبة الله، وأن يكسر شوكة الهوى، ويميت نوازع الشهوة حتى لا تشتغل بغير محبة الله.

أما السير الآفاقي، فإنه ينهج الى غايته طريق النفس، إذ ينطلق من الآفاق - حيث تتجلى أسماء الله الحسنى من خلال مظاهر الكون الأكبر - ويؤم النفس . ففي رحابة القلب يتسع للسالك أن يرى أنوار تجليات تلك الأسماء الحسنى تشع من داخل نفسه، فيتهيأ له على ذلك النحو، الطريق الأقرب إلى الله، ويدرك أن القلب - حقا -مرآة الصمدية، فيصل إلى قصده، ويظفر بمنتهى أمله. (1)

ومن الواضح أن النورسي بتمثله هذا للتجربة السلوكية، يكون قد جدد النظرة إلى السلوك، وأدرجه بالفعل ضمن نطاق علم النفس الروحي، مبتعدا بالظاهرة السلوكية عن المصادرة الجدالية التي كانت تضعها فيها تلك الثنائية المعرفية التقليدية المعروفة بوحدة الوجود ووحدة الشهود ..

(1) المكتوبات ص.575

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٥٣