تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان حسه الذي صقلته الترويضات الروحية الإرادية المتصاعدة، يعي الواقع المنحط الذي آلت إليه أمة الإسلام، فكانت - من ثمة - همومه تتفاقم، لكن الثفة بالله كانت لا تزايله رغم عوارض اليأس والقنوط التي كانت تكدر بواطنه أحيانا.. لقد كان الوجدان ينبض بمحبة الله وبالغيرة على دينه وكان ينيط نصرة الأمة به، وهو ما جعل الروح لا تنفصم بين الوازعين : وازع التفاؤل الإيماني الراسخ، ووازع التشاؤم العارض..

فالاهتمام والاغتمام لدين الله وللمصير المنتكس الذي آل إليه أمر المسلمين لا يناقض أبدا احتدام مشاعر الشوق إلى ذات الله والفناء في محبته، لا سيما حين تغدو هذه المحبة خالصة، لا تحركها رهانات ذاتية، إستئجارية..

الإيمان مهمة ثابتة تقتضي التعهد.. والذكر وقودها

على أن الإيمان يقتضي أن تُتَعَهَّدَ جذوتُه وأن يُحاط بيقظة لا تلابس الروح معها غفلة أو فتور.. فنزغات الشيطان تترصد المؤمنين لتَنقضَّ عليهم، وتشغل قلوبهم عن ذكر الله ..

من هنا وجب التحوط للمباغتات، والتسلح ضد همزات الشيطان، ومراقبة النفس حتى لا تقع في الاحباط..

ولقد أخذت صلة الرقابة الذاتية التي يمارسها الفرد على نفسه صورا مختلفة أهمها وأكثرها شيوعا إلتزامه بالذكر، واستحضار إسم الله في نفسه وملء قلبه به، فبتلك الكيفية - كما يقول النورسي - ظل الإنسان المؤمن يستحصل ما لا يحصى من الراحة القلبية والطمانينة النفسية، اطردت بها أيامه على إيقاع الإيمان والوثوق بأنه على موعد مع الحسنى الإلهية..

وبما أن الإنسان هو جماع هذا الكون، إذ هو - بحسب النورسي - يحمل في قلبه ودماغه قدرة تحسسية، تجعله على صلة بما يحوطه من أكوان . من هنا غدا الانسان محورا لما في الكون من حقائق لا تحد، ومظهرا لها، بل ونواتها الحق ". (1)

(1) المكتوبات ص.571 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٤٥