تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالنورسي حافظ وبتوازن شاق ومثالي ،على استبقاء الحجاب مسدولا بينه وبين الحاجة أو - بالأحرى - بينه وبين لوازم كثير من الأسباب الحيوية والحياتية التي تقتضيها فطرة الفرد وبشريته، لاسيما على صعيد الاجتماع والمقتضيات التواضعية، ولقد بلغ في هذا الصدد الغاية، إذ لم ينعم بالقرين الزوجي ولم يسكن العش الأسروي الدافيء، ولم يرتبط بالمؤسسات العرفية الحميمية، فهو لم يمتلك العقار أو حتى الدار، ولم يحرص على ترك العقب، ذلك الوازع الوجودي الذي لا فكاك للفرد - ذكرا أو أنثى - من الاستجابة إليه إلا إذا حال العائق الخَلْقِي القاهر دونه . كما لم تستثره المكانة والمنزلة بين الناس..

في حين نجده قد شرَّع أجنحة روحه اهتماما بأحوال أمته على أكمل ما يكون التفتح، بل لقد ربط وجوده بخدمة أمته والتفاني في استنقاذها من الدرك الانحطاطي المقيت، بل لقد امتدت آفاق نفسه ومطامحها لأن يخدم الانسانية قاطبة، فلقد كانت رؤيته القرآنية تحتفظ للانسان بمنزلة التكريم الإلهي الذي خص به المخلوق البشري، مهما كانت حيدة هذا المخلوق عن الجادة ..

ذلك لأن النورسي كان يعي أن محبة الانسانية والحدب عليها لا يتنافى بتاتا مع الحرص على تهذيبها واستشناع ما يتلبسها من أحوال الزيغ والمروق عن شرعة صاحب الملكوت ..

بل لقد كان قلبه يمور بمحبة شاملة استوعبت مخلوقات الله، عجماوات وجمادات، فاستفاض معينه عاطفة رأفة وشفقة عليها جميعا، وباتت تمثل لناظره شواهد على قدرة وجمال الكون الذي هو من جمال الله وجلاء مثالي لأسمائه الحسنى.. لقد كانت نوازع النورسي الخيرية أثرا مباشرا لتلك الرحمة والقدسية التي عاين بها الكون، واستشعر فيها يد الله التي أبدعت كل شيء ولم تحرم أي عنصر من عناصر الكون من مسحة خير وجمال يستوجب التسبيح والامتنان..

وربما عمق من آلامه ما كان يراه من تيه وعماية عن الحق يقعدان بالأمة عن أن تسلك طريق العز والانبعاث..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٤٤