وإذا كانت طبيعة الإنسان، طبيعة تأملية - كما أسلفنا - فذلك لأنه مخلوق محدود الأفق يعيش بين عوالم لا يستطيع أن يخترق حجبها، ولا أن يدرك مداها، فهو كلما تدبر نفسه وسط هذه الفضاءات اللامحدودة، تيقن من ضعفه ومن لا جدوى ما يأتيه وما يسعى إلى تحقيقه من مكاسب زائلة ومبتغيات لا تدوم..
ومن غير شك أن الإنسانية تجد في ما أنجزت وتنجز من مدنيات، شيئا من السلوى والعزاء، وهو ما يجعلها تواصل المسيرة، وتبدي مزيدا من الإصرار على الحياة والتعلق بها، بيد أن هاجس المجهول ووطأة الفناء لا تبرحان تلحان على الضمير الانساني وتنغصان حبوره وتكدران بهجته، جراء المصير غير اليقيني، بل العدمي الذي قد يتبدى له أنه هو منطق هذا الكون وقانون هذا الوجود..
من هنا كانت أهمية الإيمان، إذ التسليم بأن الحياة ما هي إلا طورا أراده الله للمخلوقات كي تعيش وتؤدي وظيفة فيها صلاحها وصلاح الكون من حولها ، وأن الآخرة طور آخر ستشمل فيه السرمدية عباد الله بألطافها ونعمائها لقاء ما قدموا من عمل ومبرة، هو ما يهب الطمأنينة الوجودية للإنسان ويحميه من مخاوفه الغريزية، ويسمو به عن درك الابتئاس الوهمي، والرؤية الانسدادية..
ولا يعني هذا أن بلسم الدين هو افتعال روحي اهتدى إليه الانسان جراء معاناة أزلية، فتداوى به، وقرره حِمْيَةً لمنغصاته وابتلاءاته الوجودية. إذ من الثابت أن الانسان تعاطى الفلسفة منذ أن وعي أهمية الفكر والتفكير، وسعى من خلالها إلى تفسير الوجود والإجابة عن الحيرة البشرية، وإطفاء لواعج القنوط الوجودي، إلا أنه وعلى الرغم مما نوع من أصباغ منطقية وافتراضية ما برح يستبين في منجزاته العقلية واجتهاداته الميتافيزيقية طبيعة التمحل والإفتعال التي تطعن في وجاهة ما اعتقد، وصواب ما اعتنق ..