كل ذلك منحة للانسان الذي سخر له كل ذات الأرواح من غير البشر، خدمة ومعاشا ..فـ"ما دامت الحياة أعظم نتيجة من الكون، والروح هي الخلاصة المختارة من الحياة، وأولو المشاعر وجميع الكائنات بدورها مسخرة وساعية لأجل الحياة، وذوو الحياة مسخرون لذوي الأرواح، وقد بعثوا إلى الدنيا لأجلهم، وذوو الأرواح مسخرون للإنسان وفي عونه دائما، والناس يحبون خالقهم محبة خالصة بفطرتهم، وخالقهم يحبهم ويحبب نفسه إليهم بكل وسيلة، واستعداد الانسان وأجهزته المعنوية تتطلع إلى عالم آخر باق وإلى حياة أخرى أبدية، وإن قلبه وشعوره ليطلبان البقاء ويتوقان إليه، وإن لسانه ليتوسل إلى خالقه بأدعية غير محدودة طالبا البقاء، فلا يمكن مطلقا إغضاب الناس المحبين المحبوبين وإسخاطهم بعداوة أبدية بعدم بعثهم بعد إماتتهم، وهم قد خلقوا أصلا لمحبة خالدة، وأرسلوا إلى هذه الدنيا بحكمة لنيل عيش سعيد في عالم أبدي آخر". (1)
لقد شكل التواجد الروحي - عند النورسي - مظهرا من مظاهر دفع شعور الفناء والعدمية.. إذ لبثت مواقف التأمل الاعتباري والاحتساب الإيماني تلازمه في كل توجه روحي يصله بالخالق، ومضت الأحاسيس تتهجد بالاستغاثات الربانية المبددة للكآبة والوجل وبالاستعاذات المُخَلِّصة من وطأة اليأس المقيت..فكان من جراء ذلك أن تولدت أدبية روحية نيرة تسلس بنكهة الأذكار التي هي خاصية تميزت بها الخطب الصوفية المرموقة : ".. حسبي من الحياة ولذتها علمي وإذعاني وشعوري وإيماني بأني عبده ومصنوعه ومخلوقه وفقيره ومحتاج إليه، وهو خالقي، رحيم بي، كريم، لطيف، منعم علي، يربيني كما يليق بي ". (2)
وذاك ما سنعرف شيئا منه في تالي الفصول..
الفصل الخامس
التصوف في فكر النورسي
(1) الشعاعات ص. 62
(2) الشعاعات ص99.